الخميس، 26 فبراير 2015

قصة (مليم أحمر) - للكاتب: حماده عطيه – تعليق: خالد جوده


قصة (مليم أحمر) - للكاتب: حماده عطيه 
أمر الملك بوقف الدراسة بالمدارس عندما اندلعت الحرائق بالقاهرة..وكم كنت سعيد بهذا الخبر فمن اول يوم التحقت بها وانا أكرهها كرها شديدا ،وزادت فرحتى عندما رأيت المكتبات فى الفجالة تحترق بالكتب ...شرنقت تلك الفرحة داخلى حتى لا يراها ابى ،قد كان حزينا على حريق الشوارع والفنادق والاندية ، كان ممتعضا مما حدث ؛زاد ألمه بحريق بنك باركليز حيث كان يدخر فيه بعض الاموال التى حصل عليها من معاشه بعد العمل فى مشيخة الازهر ، من تركة جدى التى استحوذ عليها حارما أقرانه منها !
من بقايا أموال نقل المعلومات للرجل الانجليزى الذى ساعده فى ادخار امواله بهذا البنك.
كانت تلك الأموال كل حياته ،كانت دائما سبب الخلاف بينه وبين أمى ..كانت التربية عبارة عن عدد من المليمات.

ذهب يتفقد الطرقات الذابلة ،التى غاب عنها القمر والشمس ..الطرقات التى ذبلت نهودها وجفت دموع أعينها ...تقطع ثيابها ،ورجالها غارقين فى العرق ...يشتد الوهن داخلهم رغم وجود أوردة النصر،وما النصر الا قوة ولكن القوة الآن صامتة.
النيران تتحدث..وما زلنا فى انتظار ابى، لكنه لم يرجع وحده ،كانت الوجوه الشاحبة تتجمع حوله،يحملونه بين أيديهم وقد سقطت عمته وقفطانه وتبدل حاله كثيرا..
زاد ألمى عندما رأيته وبدأت أجر خطايا المهزومة .
كل يوم كان يمر...كانت حالة ابى تزداد سوءا ،وما كان على الا ان اذهب للبحث عن عمل حتى أنفق على أسرتى ،وقد نبت داخلى احساس لا يعرف طعمه سوى المجنون.

داخل البلد المحترق أبحث عن لقمة عيش..عن دواء لابى ...عن طعاما كى أنام...!
وأثناء سيرى بأحد الشوارع العاجزة ..قابلت أحد أصدقائى وأخيه،فمرحبا وسلاما ثم سألنى عما أفعل الآن فى ظل توقف الدراسة محاولا اخفاء اليقين المتأصل لديه من كرهى لها ولكنى عندما وضحت له أمرى وما حدث ،فوجئت بأخيه يعرض على ّ العمل فى مكتب أحد المحامين ..رفضت الموضوع فى بادئ الامر ولكن الحال الذى وصلت له أسرتى جعلنى أوافق دون سماع لنبض الأفكار.

بين الاضواء المصطنعة فى الليل ...وبين رياح الفقر التى تترجى الصباح يطل ،أجد نفسى عاملا فى مكتب الاستاذ حسين باشا رفعت المحامى قصير القامة ذو الوجه المكهفر،لكنى كنت أشعر بطيبته من تكراره لكلمة العدل .
وكثيرا ما كنت أسأل :
- هل للعدل أسياد؟!....
وبعد عشرة أيام من عملى معه ،توفى والدى فأصابتنى حالة من الحزن والبكاء كالتى تصاحب رضيع الحلم عند فطامه ،وتغيبت عن العمل لمدة أسبوع فوجئت خلالها بفصلى منه يحمل عباراته مظروف يحوى رائحة الحريق المهزوم من مبلغ النقود الموجود بداخله .....
مليم أحمر نظير عملى فى مكتب الحقوق....العدل...المحاماة .تلك هى الورقة التى نزعتها من على جلد احد حقائب المكتب واصطحبتها طوال وقتى ....كانت عبارة تضعنى بين قوسين كلما رأيت منشديها.

ما هى الا ايام وفتح ستار المسرح من جديد ...وأخذت أبحث عن عمل آخر الى ان استقر بى اليأس يلفظ أنفاسه الأخيرة بعدما قابلت أحد أصدقاء والدى وساعدنى بلغة لا يفهمها الجهلاء فى العمل حارسا لعقار صدقى باشا ...العقار الملطخ بغيوم الحريق تركه ساكنيه يحوى بين جدرانه أمتعتهم وأشياءهم الثمينة ،لم يكن الاجر كفيلا بى وبأسرتى ....
وفى أحد الايام وجدت شخصا يقترب ولم أعطى له بالا ،الا اننى وجدته يخبرنى أنه من سكان الدور السادس وقد توفى والده وجاء يأخذ بعض الاغراض والحقائب ...

أعطانى المفتاح وأمرنى أن أحضرها من أعلى قائلا....

-          سوف أحضر بعد لحظات لأصطحبها معى .

 صعدت لأّتى بها وعندما دخلت الى الشقة وبدأت العبث بمحتويات الحقائب ، وجدت أحدها ذات حجم صغير يحتوى على  بعض الحلى ومبلغ من المال وخلال نظرى اليها ،دار داخلى حديث شيطانى وانطلقت روح العناد تحرك الجسد الذى تربى على القيم الموجودة بكتب شيخ الأزهر والجسد المحفورة داخله تلك القيم دون معنى ، دون حياة.
وبالفعل سرت بيها الى بيتى يكسونى ضوء الميكافيلية (الغاية تبرر الوسيلة) ولكن الرعشة المصاحبة لخطواتى جعلتنى أنسج ملامح بديلة .
بدأت أقترب من المنزل ...وضعت يدى داخل بنطالى ،وجدت تلك الورقة الباهتة (الحقوق – العدل – المحاماة) ، ألقتيها على الارض لتختلط بأقدام الثورة وانتظرت عام جديد ...
انتظرت تعمير القاهرة وازالة سواد الحريق ....


انتظرت .......بدأ الدراسة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعليق: خالد جوده
استند القاص في قصته الماثلة علي فترة مفصلية في التاريخ المصري المعاصر، وهي فترة حريق القاهرة وما تلاها مباشرة من أحداث، واستعمل عنوان القصة ليكون دالاً علي اختياره ذلك، وعنوان (مليم أحمر) يدلل علي انقراض الزمن في عمله من عملاته، لكنه يقصد أنه يتجدد مرة أخري، فالقاص يشير إلي جذور الأحداث، وتواصل الأجيال من جد ظالم وأب حزين مكلوم يتفاعل مع الحدث العام الذي مسه شخصياً ثم مواصلة رحلة الشقاء ذاتها تاريخياً مع بطل الحدث القصص ذاته، انه يقول لنا أننا ما زلنا نتعذب اجتماعيا واقتصاديا، فصحيح  فالمدخل تاريخي لكنه يشير إلي غياب العدالة الاجتماعية بإنتقائه الحدث التاريخي الذي يمثل مفصل تاريخي، والمفصل التاريخي هو فترة تبدلات اجتماعية وبيئة مناسبة تماماً للكشف والإبانة عن المشكلات الموروثة والخطيرة، ولكن القصة عادة ما تكون لحظة زمنية أو شريحة مجهرية للحياة، والقصة هنا أشارت لفترة شملت قيام بطل القصة بأكثر من عمل، وهي فترة أعتقد أنها طويلة شيئاً ما علي استيعاب قصة قصيرة، وإن حاول القاص تدارك الأمر في الخاتمة التي ارتبطت بالمقدمة في انتظار العام الدراسي وبدء الدراسة.
ملمح آخر هو أنسنة الطرقات دائما واحلالها لتعبر عن الأوضاع الشائهة في طوفان خطير باحتراق القاهرة، بل وأنسنة مفردات الطرقات مثل تلوث المبني (تلطيخه) بدخان الحريق، ومن سمات الجوده بالقصة القدرة علي إبدال التعبير بتعبير جديد غير الشهير أو المبتذل، مثال: (لكنه لم يرجع وحده، كانت الوجوه الشاحبة تتجمع حوله، يحملونه بين أيديهم وقد سقطت عمته وقفطانه وتبدل حاله كثيرا..)،  تعبير جيد بديل لعاد محمولاً علي الأعناق، كما أنها تقول أنها حالة جمعية فما الحامل للمصاب بأفضل من المحمول، فهو مرشح أيضاً بشحوبه كي يكون محمولاً في توقيت لاحق، أيضاً: (وقد نبت داخلى احساس لا يعرف طعمه سوى المجنون)، ومعني غير مباشر أو بديل  لغياب العقل، وأيضاً: (يتفقد الطرقات الذابلة، التي غاب عنها القمر والشمس) وهو إبدال لتعبير الليل والنهار، بحيث نتسائل كيف بمن فقد دورة الكون الطبيعية، وهو تعبير موفق لتجسيد الحدث الإستثنائي (الدائم في قصدية القصة طبقاً لقراءتي حيث أشار القاص أن الحياة مسرحية وبالتالي يعاد عرضها)، كما أن تعبيراته جيده، مثال: (... شرنقت تلك الفرحة)، حيث الشرنقة تفرخ بعد ذلك أمراً وهو تعبير جيد لنزعة الإخفاء لدي شخصية الحدث، كما تحوى القصة دوال جديدة مثل الطيبة = العدل، والفكر يعني الحياة (نبض الأفكار فهي قلب للحياة)، كما تحمل القصة وصفاً للشخصيات وإعطاء لمحات سريعة عنهم للقارئ ولكن الملاحظة قائمة أن وصف الشخصية بجزالة تتحمله قصة أطول، كما يوجد تفسير لحركة التاريخ فيقول واصفاً أهل مصر (يشتد الوهن داخلهم رغم وجود أوردة النصر، وما النصر الا قوة ولكن القوة الآن صامتة)، ولكن تحتاج القصة لبذل مجهود أكبر من القاص في المراجعة والتكثيف، فطريقة الكتابة ذاتها، وبعض التعبيرات القلقة في رأيى البسيط مثل: (وساعدنى بلغة لا يفهمها الجهلاء)، (وتغيبت عن العمل لمدة أسبوع فوجئت خلالها بفصلى منه يحمل عباراته مظروف يحوى رائحة الحريق المهزوم من مبلغ النقود الموجود بداخله)، (وبالفعل سرت بيها الى بيتى يكسونى ضوء الميكافيلية (الغاية تبرر الوسيلة)، حيث أن ضوء تعبير معنوي لا ينطبق علي مبدأ انتهازي، (وانطلقت روح العناد تحرك الجسد الذى تربى على القيم الموجودة بكتب شيخ الأزهر)، فمن شيخ الأزهر، وهو منصب معروف، وأعتقد أنه يقصد والد شخصية بطل الحكي وهو أزهرى وليس شيخاً للأزهر، ثم الخاتمة: (وضعت يدى داخل بنطالى، وجدت تلك الورقة الباهتة (الحقوق – العدل – المحاماة) ، ألقتيها على الارض) والبهتان أي معاني ضائعه لم ندري هل أخذ الحقيبة أم لا وهل ألقي الحقيبة أم الورقة؟، ( لتختلط بأقدام الثورة)، وهو إلماح للقادم بعد حريق القاهرة، وتحت الإقدام تعني  إهانه تلك المبادئ، (وانتظرت عام جديد .. انتظرت تعمير القاهرة وازالة سواد الحريق ....) وأرى أن عام جديد زائدة حيث وردت جملة (بدء الدراسة) والأوفق أن يكون سواد الحريق آخر كلمة في القصة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق