قصة (أزرق قاتل) للقاصة: سهيله
عزونى، تعليق: خالد جوده
أكتافٌ لوحَّتهَا الشًّمسُ حتى صارت بلون ِ الخبزِ اليوميِّ.. وعيونٌ أنهكهَا النعاسُ وطولُ التحديق في الأفق ِ ترنو للبعيد.. ترقب اللَّحظة المناسبة للانقضاض على الأرض الحلم ... هناك كانت سفنٌ تحط ُّ المراسي أو ترفعُهَا لتغادر الميناء و تذهب في رحلتها عبر البحر بكامل حريتها و بكرامةٍ غير منقوصةٍ.. حرية ٌ لا تمتلكونهَا و كرامة ٌ لستم موعودين بها..
عند الإشارةِ، عَمدَ الجميعُ لطمس أيَّ دليلٍ على هوياتِهِم.. حاكيتَهم في فعلهم فأحرقتَ جواز السَّفر..
واحدٌ وعشرون شخصًا من طالبي الضِّفةِ الأخرى على متنِ قاربٍ يتسعُ في الحالة الطبيعية لعشرة أشخاص ٍ، يسعون نحو أملٍ يسكن وراء البحر يظنُّه البعض منكم ورديَّ اللون ناعمَ الملمس.. هم جميعًا أندادُكَ و نظراؤُكَ من المزروعين في أزمنة ٍ غير مناسبةٍ على مربعاتٍ منتشرةٍ على مدى جغرافيا الرُّقعةِ العربيةِ.. ملوُّا حرفةَ الانتظارِ فركبوا الصَّعب كفرسان يعاندون أزمنتهم الصعبة.. يركضون وراء أحلامٍ كأفراس ٍ جموحةٍ.. وإن توقعوا نهاية ً محتملة ً في بطن حيتان ٍ تترصَّدهم عند كل ارتفاع موج ٍ.. لكنَّها تظلُّ أفضلَ من السقوطِ فريسة ً للمفخخات والعبوات النَّاسفة، وتظلُّ أفضل من الغربة في وطن ٍ أصبح ملكية ً فردية ً لعصابةٍ من المفسدين في الأرض..
*******
تؤلمُكَ معدتُك ، لم
تتناول شيئاً منذ أيامٍ.. آخرُ عهدك بالطَّعام كان كوبُ عدس ٍ منقوع ٍ في ماء
البحر.. الآن نفد كلُّ المخزون.. حتى شربة الماء لم تعد تتوفَّر.. تبتسم في حنان ٍ و أنت ترى نفسك عائدًا من المدرسة إلى البيت حيث
تستقبلك رائحة خبز أمِّك من منتصف الطريق.. أمُّك.. آه كم أنت في حاجةٍ لترتمي بين ذراعين يغري دفؤهما بالمكوث
دهرًا.. كم تشتاق أن تمرَّ أناملها على وجهك كي يزول ألمُ الوحشةِ و الجوع ِ و
الخوفِ! تستيقظ
من غفوة الحلم على واقع ٍ مرٍّ.. صار
للمكان رائحة ُ دورة مياه ٍعموميةٍ في منطقةٍ شعبيةٍ.. ارتفع بخر محتويات مثانات
ركاب القارب المحفوظ في زجاجات الماء المستهلكة حتى آخر قطرة.. فظيع ما تحس به الآن من جوع ومن عطش ومن خوف وضعف ، جمدت الأوصالُ..
جفَّ الحلقُ.. ذهب الصَّوتُ أو يكاد.. لم يعد هناك من الطَّاقة ليكفي لمجرد تحريك
الحبال الصوتية!
تعمد إلى الزُّجاجة الموضوعة أمامك.. تغمضُ عينيك و تسدُّ أنفك و تفرغُ كل محتواها في جوفك..
معدتك لم تقوَ على تحمُّل المشروب المنفر.. فلفظَت كل ما تلقَّته.. تتقيأ ُ.. تفرغُ كل ما في جوفك ومعه يندلقُ كأس المرارة الممتلئ حدَّ الحافة..
تعمد إلى الزُّجاجة الموضوعة أمامك.. تغمضُ عينيك و تسدُّ أنفك و تفرغُ كل محتواها في جوفك..
معدتك لم تقوَ على تحمُّل المشروب المنفر.. فلفظَت كل ما تلقَّته.. تتقيأ ُ.. تفرغُ كل ما في جوفك ومعه يندلقُ كأس المرارة الممتلئ حدَّ الحافة..
*******
طيلة حياتك واجهتك المواقفُ الصًّعبة ُ.. ذلك روَّضك قسرًا على الصَّبر بلا حدودٍ وعلى قوَّةِ احتمالِ ما لا يحتملُ..
كم مرَّة ً خضتَ هذه الرحلة عبر البحر ثم عدت خائبًا.. ومع ذلك ظلَّت الحاجة التي تسكن داخلك أكبر وظلَّت نظرةُ عيني أمِّك المتوسلة ُ نجدتَكَ أكبر من محن البحر وأخطار الإبحار.. دائمًا تعود للمغامرة والمخاطرة مرةً ومرَّةً و أخرى.. هل هو مقدَّرٌ على الإنسان أن لا يتقن سوى مغامرة ً واحدة ً فلا يعود يحفلُ بسواها؟ و لكن الجواب يظلُّ عصيًّا..
ماذا لو كان هناك حل آخر؟
طيلة حياتك واجهتك المواقفُ الصًّعبة ُ.. ذلك روَّضك قسرًا على الصَّبر بلا حدودٍ وعلى قوَّةِ احتمالِ ما لا يحتملُ..
كم مرَّة ً خضتَ هذه الرحلة عبر البحر ثم عدت خائبًا.. ومع ذلك ظلَّت الحاجة التي تسكن داخلك أكبر وظلَّت نظرةُ عيني أمِّك المتوسلة ُ نجدتَكَ أكبر من محن البحر وأخطار الإبحار.. دائمًا تعود للمغامرة والمخاطرة مرةً ومرَّةً و أخرى.. هل هو مقدَّرٌ على الإنسان أن لا يتقن سوى مغامرة ً واحدة ً فلا يعود يحفلُ بسواها؟ و لكن الجواب يظلُّ عصيًّا..
ماذا لو كان هناك حل آخر؟
حل آخر؟ تغمضُ عينيك في
استسلام و ترتجلُ بسمة َ تهكُّمٍ..
-
أريد أن أشرب.. شربة
ماء.. هل يسمعني أحدكم؟ النَّجدة ، النَّجدة
.. لكن صوتك لم يكن يغادر حلقك بل كان يرتدُّ مكتومًا حسيرًا كسيرًا إلى
الدَّاخل.. إلى عمق جوفك
كم من الوقت مرَّ عليك
و أنت على هذه الحال ؟
تنتابُك حالة ٌ من
السكينة المريبة..يبدو أن تلك الساعة قد حانت.. فلا محالة من الاستسلام لفكرة
الموت..
شرعت في استعراض شريط شقائك.. تنقِّبُ في زوايا الذاكرة عن صور ٍ متعاقبةٍ لأحداث حياتك ، كفيلمٍ سينمائيٍّ يوثِّق لسلسلة هزائمك وانكساراتك الشَّخصية منذ فشلك في تحقيق حلم والديك في الدِّراسة إلى عجزك عن تأمين لقمة عيش ٍ يوميةٍ مستمرةٍ لوالدتك ولأخوةٍ صغار تركهم الوالد أمانة في عنقك بمقتضى ترسيمه لك رجلَ الدًّارِ بعدَه..
طابور من الذكريات تتنطَّط بخيالك ، ثعالب لئيمة شرسة.. تشهر المخالب وتكشِّر عن الأنياب.. تتسابق.. تنقضُّ على أيامك و تتخطَّفُهَا.. لطالما كنت مسالمًا منصاعًا لعرف القطيع في الطاعة اللا مشروطة وفي التَّسليم والرِّضا بما هو كائن. لكن ما من مرَّةٍ مددت يدك فيها لتنال شيئًا إلاَّ وعادت لك فارغة ً كما أرسلتَها.. رغم أنََّك لم تكن متطلبًا ولا كانت حاجاتك في هذه الحياة معجزة ً كبرى غيرَ محتملةِ الحدوثِ.. فقط زوجة ٌ وأولادٌ و بيتٌ ووطنٌ يعرفك ويعترف بك.. تلك كانت كل مطالبك.. و لكنَّك مع ذلك ظللت دائمًا عصِيًّا على الانزلاق في مستنقعاتِ الخطأ..
*******
رَفرَفت فوق رأسك سعادة ٌ مبهمة ٌ كالخدر.. تحسُّ و كأنك تغرق في سائلٍ دافئٍ بلَّل وجهك.. تشرفُ عليك دموع أمِّك وهي تتمسًّك بك بيدين متعرِّقتين ومرتعشتين تحضنك مرَّة وتبعدك قليلا ً حتى تتملَّى وجهك وهي لا تزال مستغرقة في انتحابها.. تعود وتردِّدُ على سمعك بعض وصاياها ثمَّ لا يلبثُ صوتها أن يغيب.. تعزله عن سمعك شهقاتُ البكاء..
تستيقظ ُ على شعور ٍبالصَّدمة صوت ارتطام القارب بشيءٍ صلبٍ.. ثم صدمة ٌ ثانية ٌ
شرعت في استعراض شريط شقائك.. تنقِّبُ في زوايا الذاكرة عن صور ٍ متعاقبةٍ لأحداث حياتك ، كفيلمٍ سينمائيٍّ يوثِّق لسلسلة هزائمك وانكساراتك الشَّخصية منذ فشلك في تحقيق حلم والديك في الدِّراسة إلى عجزك عن تأمين لقمة عيش ٍ يوميةٍ مستمرةٍ لوالدتك ولأخوةٍ صغار تركهم الوالد أمانة في عنقك بمقتضى ترسيمه لك رجلَ الدًّارِ بعدَه..
طابور من الذكريات تتنطَّط بخيالك ، ثعالب لئيمة شرسة.. تشهر المخالب وتكشِّر عن الأنياب.. تتسابق.. تنقضُّ على أيامك و تتخطَّفُهَا.. لطالما كنت مسالمًا منصاعًا لعرف القطيع في الطاعة اللا مشروطة وفي التَّسليم والرِّضا بما هو كائن. لكن ما من مرَّةٍ مددت يدك فيها لتنال شيئًا إلاَّ وعادت لك فارغة ً كما أرسلتَها.. رغم أنََّك لم تكن متطلبًا ولا كانت حاجاتك في هذه الحياة معجزة ً كبرى غيرَ محتملةِ الحدوثِ.. فقط زوجة ٌ وأولادٌ و بيتٌ ووطنٌ يعرفك ويعترف بك.. تلك كانت كل مطالبك.. و لكنَّك مع ذلك ظللت دائمًا عصِيًّا على الانزلاق في مستنقعاتِ الخطأ..
*******
رَفرَفت فوق رأسك سعادة ٌ مبهمة ٌ كالخدر.. تحسُّ و كأنك تغرق في سائلٍ دافئٍ بلَّل وجهك.. تشرفُ عليك دموع أمِّك وهي تتمسًّك بك بيدين متعرِّقتين ومرتعشتين تحضنك مرَّة وتبعدك قليلا ً حتى تتملَّى وجهك وهي لا تزال مستغرقة في انتحابها.. تعود وتردِّدُ على سمعك بعض وصاياها ثمَّ لا يلبثُ صوتها أن يغيب.. تعزله عن سمعك شهقاتُ البكاء..
تستيقظ ُ على شعور ٍبالصَّدمة صوت ارتطام القارب بشيءٍ صلبٍ.. ثم صدمة ٌ ثانية ٌ
فتحَت عينَيك
الكليلتينِ على الهلع وأنت ترى أزرق البحر يبتلع زرقة السماء..
الرؤية صارت غائمة ٌ..
تجدُ نفسك في دوامةٍ.. تضغط على جفنيك ثم تحاول أن تباعدهما من جديد لتحصل على بعض
الرؤية..تمتدُّ يدك لتقبض على شيء تتمسَّك به فلا تجد غير الماء.. يشُقُّ
عليك التقاط ُ الهواءِ اللاَّزمِ لرئتيك.. ينتابُ جسمك بعضُ الانهيار تستسلم روحك لبعض
الإغفاء..
*******
غدًا سيقبضُ حرسُ السَّواحلِ على أجسادٍ أكلَ بعضَها الحوتُ ومزَّقها طولُ التَّداولِ بين موج البحر وصخور الشاطئ..
وستتبارى الصحفُ في نحت مانشيتاتٍ عريضةٍ جذَّابةٍ.. وستتحدَّث وسائلُ الإعلامِ بعباراتٍ حفظها الجميعُ ولا يفهما أحدٌ عن الظَّاهرة العابرة للحدود.. وعن ضرورة تدخُّل كافة الشركاء في إطارِ المسؤوليةِ الإقليميةِ المشتركةِ.. و سيغفلون الحديثَ عن أصل ما حدثَ.. تطوُّعُ الشَّباب "الطائش المتهور" للقيام بمهمة أوكِلَت أصلا ً لغيره وفشلَ فيها.. القضاءُ على سوءِ أوضاعِهِم المادِّية وتحسينُ ظروفِ معيشتهم.. حثالة ُ اليقظةِ المترسِّبةِ في قاع ِ وعيك تنذرُك بالخطرِ.. تذكِّرُك بأنَّك سبَّاحٌ ماهرٌ.. لكن أين لعضلاتك أن تستجيب.. بفعل قوة السقوطِ الحرِّ،يهوي جسدُكَ بثقله إلى القاع.. يسابقُ رأسُكَ بقية َ الأعضاء ِ.. لكن الرِّسالة استمرَّت في الإلحاح ولو بشكلٍ ضبابيٍّ.. تصرُّ على إقناعك أن ساعتك لم تحن بعدُ.. ينتصرُ بداخلك حبُّ البقاءِ.. بمجهودٍ خرافيٍّ تفيقُ من إغماءةِ حواسِّك.. تستديرُ حول نفسِكَ مائة ً وثمانين درجة ً عموديًا.. ترفعُ ذراعيك للأعلى.. تفتح كفَّيك المنغلقين بإحكامٍ.. تُصالبُ بين أصابع يديك وتقفزُ بكل القوَّة التي أنت قادرٌ عليها للأعلى.. تشهقُ شهقة َ الحياة حينما وجد الهواء أخيرًا طريقه لفتحتي أنفك..تحسُّ بتمزق رئتيكَ و حلقِكَ وكل مجاريكَ التنفسيةِ وأنت تشرقُ بالماء ِ المالح ِ الذي ابتلعتََه قسرًا..طعمُ الملح كان قاسيًا وحارقًا على لسانك و شفتيك المتشقِّقتين.. بصعوبةٍ بالغة ٍاستطعت أن تباعد بين جفنين منتفخين لتفسحَ الطَّريقَ لعينين محمرَّتين أتى ماء البحر على كل دموعهما.. تحاولُ أن تستطلعَ المكانَ.. لا شيءَ.. ليس من حولك سوى امتدادٌ شاسعٌ أزرقُ مفتوح ٌ على كلِّ الاحتمالاتِ.. وحده جسدُكَ كان يطفو على هذه المساحات الممتدة من اللَّون الأزرق.. استعدت شيئًا من دربتِك الكبيرةِ في السِّباحة.. جعلتَ جسمَك يطفو على سطح ِ الماء ِ.. وسلَّمته أمانة ً يقودُها الموج حيث المشيئة..
غدًا سيقبضُ حرسُ السَّواحلِ على أجسادٍ أكلَ بعضَها الحوتُ ومزَّقها طولُ التَّداولِ بين موج البحر وصخور الشاطئ..
وستتبارى الصحفُ في نحت مانشيتاتٍ عريضةٍ جذَّابةٍ.. وستتحدَّث وسائلُ الإعلامِ بعباراتٍ حفظها الجميعُ ولا يفهما أحدٌ عن الظَّاهرة العابرة للحدود.. وعن ضرورة تدخُّل كافة الشركاء في إطارِ المسؤوليةِ الإقليميةِ المشتركةِ.. و سيغفلون الحديثَ عن أصل ما حدثَ.. تطوُّعُ الشَّباب "الطائش المتهور" للقيام بمهمة أوكِلَت أصلا ً لغيره وفشلَ فيها.. القضاءُ على سوءِ أوضاعِهِم المادِّية وتحسينُ ظروفِ معيشتهم.. حثالة ُ اليقظةِ المترسِّبةِ في قاع ِ وعيك تنذرُك بالخطرِ.. تذكِّرُك بأنَّك سبَّاحٌ ماهرٌ.. لكن أين لعضلاتك أن تستجيب.. بفعل قوة السقوطِ الحرِّ،يهوي جسدُكَ بثقله إلى القاع.. يسابقُ رأسُكَ بقية َ الأعضاء ِ.. لكن الرِّسالة استمرَّت في الإلحاح ولو بشكلٍ ضبابيٍّ.. تصرُّ على إقناعك أن ساعتك لم تحن بعدُ.. ينتصرُ بداخلك حبُّ البقاءِ.. بمجهودٍ خرافيٍّ تفيقُ من إغماءةِ حواسِّك.. تستديرُ حول نفسِكَ مائة ً وثمانين درجة ً عموديًا.. ترفعُ ذراعيك للأعلى.. تفتح كفَّيك المنغلقين بإحكامٍ.. تُصالبُ بين أصابع يديك وتقفزُ بكل القوَّة التي أنت قادرٌ عليها للأعلى.. تشهقُ شهقة َ الحياة حينما وجد الهواء أخيرًا طريقه لفتحتي أنفك..تحسُّ بتمزق رئتيكَ و حلقِكَ وكل مجاريكَ التنفسيةِ وأنت تشرقُ بالماء ِ المالح ِ الذي ابتلعتََه قسرًا..طعمُ الملح كان قاسيًا وحارقًا على لسانك و شفتيك المتشقِّقتين.. بصعوبةٍ بالغة ٍاستطعت أن تباعد بين جفنين منتفخين لتفسحَ الطَّريقَ لعينين محمرَّتين أتى ماء البحر على كل دموعهما.. تحاولُ أن تستطلعَ المكانَ.. لا شيءَ.. ليس من حولك سوى امتدادٌ شاسعٌ أزرقُ مفتوح ٌ على كلِّ الاحتمالاتِ.. وحده جسدُكَ كان يطفو على هذه المساحات الممتدة من اللَّون الأزرق.. استعدت شيئًا من دربتِك الكبيرةِ في السِّباحة.. جعلتَ جسمَك يطفو على سطح ِ الماء ِ.. وسلَّمته أمانة ً يقودُها الموج حيث المشيئة..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعليق: خالد جوده
تتمتع القاصة بموهبة أدبية لا شك فيها، بل ملمح "الأدبية"
في النص ينبض في مفاصل ونسيج النص جميعه، وما يلي شواهد لذلك:
-
شرعت
القاصة قلمها بنحت الكلمات بأزمير البلاغة المكثفة، بما جعل السرد أقرب إلي مدرسة
البيان المقطر بالعناية البالغة بالمفردات وتركيبها في مشهدها الكلي، والتفصيل:
-
العناية
بانتقاء المفردات، ففي تعبير (يندلق كأس المرارة الممتلئ حد الحافة)، مفردة
(يندلق) أقرب للعامية يعني قسوة الحركة الطافحة بالبؤس، وبالمثل في تعبير (طابور
الذكريات تتنطط بخيالك)، نجد مفردة (طابور) المرتبطة بمرحلة الدراسة
الأساسية، ومفردة (تتنطط) معبرة عن الفرح الطفولى، والطفولة تمثل دائما
مرحلة الذكريات الحلوة كمتلازمة معني، وتلك أمثلة فقط تشير لبراعة الوصف، وجعله
متصلاً بمتن القصة وروحها العام فإحلال مفردة الخبز اليومي محل اللون الأسمر يتماس
مع متن القصة العام، بل إن الحرص علي نقاء حدي التشبيه بنفي الأسمر واستبداله
باليومي، يعطي إشارة للتقطير البلاغي للتذكير بفداحة مشكلة الشباب المميتة.
-
ينضوي
مشهد السرد الكلي حول (شرعية الهجرة الغير شرعية)، وعنوان القصة قدم هذا التناقض
في حديه (أزرق قاتل)، حيث لون ماء البحر الذي يبتلع ضحاياه من راغبي الحياة
الكريمة، وأكثر من تعبير يحمل نفس المعني، فتعبير (ترتب اللحظة الحاسمة
للانقضاض علي الأرض الحلم) بما يمنح معني التربص في مفردة الخطف مع القوة (الانقضاض)،
رغم أنه حلم عادي مستحق للشاب ومشروع تماماً، لكنه أقرب للمستحيل، وتعود القاصة
لتقديم تعبيرات تفسيرية للتأكيد، مرة بصورة مباشرة (ثم حرية لا تمتلكونها،
وكرامة لستم موعودين بها)، ومرة بتقنية التكرار بمفهوم المخالفة حيث يتمتع
الآخرون بكرامة غير منقوصة.
-
ولمحات
أخرى: حيث تسرد القاصة (شريط الشقاء)، وتمنح البطالة وضعية
الاستقرار والتجذر في تربتنا المصرية والعربية (حيث يحضر المشهد العربي، فهو أوجاع
مشتركة لبعض البلدان العربية)، فمثلت البطالة بالمهنة (ملوا حرفة
الانتظار)، مع استعمال طريقة الاسترداد بتوتر سردي بين الماضي والحاضر
والمستقبل، فهي مشكلة مزمنة، فالعودة للماضي (طيلة حياتك)، وذهاباً
للمستقبل، انطلاقاً من حاضر متردى (فلا محالة من الاستسلام لفكرة الموت)، وترك
النهاية المفتوحة في وضعية الغرق العاصف.
بقي أن نشير أن حرص القاصة للإبانة والكشف جعلها تستند لتوابل في القص
منها استعمال الأمومة كخط درامي آخر لتعميق المأساة، لكن استغراقها في هذا الحرص
أسلمها إلي تداعي وبعض مباشرة في تعبيرات أتت مستقبلية، لكنها أتت في سياقها
المعتبر بلا افتعال، حيث تمثل (حديث وسائط الإعلام)، لكن التداعي في تكرارية الحدث
القصصي في الماضي أتي غير منطبقاً علي قياس منطقي في رحلة العذاب التي تقصم ظهر
الشاب وتسلمه غالباً للموت أو علي أقل تقدير للاعتقال والمهانة والدمار الاقتصادي،
مما يصعب معه أن تتكرر هذه الرحلة أكثر من مرة (كم مرة خضت هذه الرحلة عبر
البحر ثم عدت خائباً)!!، وأعتقد أن القاصة في دربها لإنتاج نصوصا أكثر كثافة من
نص كثيف أصلاً (رحلة للقصة الومضة)، حيث نصوصاً أخرى في مثل ذكاء هذا النص وأروع.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق