الخميس، 26 فبراير 2015

قصة (مليم أحمر) - للكاتب: حماده عطيه – تعليق: خالد جوده


قصة (مليم أحمر) - للكاتب: حماده عطيه 
أمر الملك بوقف الدراسة بالمدارس عندما اندلعت الحرائق بالقاهرة..وكم كنت سعيد بهذا الخبر فمن اول يوم التحقت بها وانا أكرهها كرها شديدا ،وزادت فرحتى عندما رأيت المكتبات فى الفجالة تحترق بالكتب ...شرنقت تلك الفرحة داخلى حتى لا يراها ابى ،قد كان حزينا على حريق الشوارع والفنادق والاندية ، كان ممتعضا مما حدث ؛زاد ألمه بحريق بنك باركليز حيث كان يدخر فيه بعض الاموال التى حصل عليها من معاشه بعد العمل فى مشيخة الازهر ، من تركة جدى التى استحوذ عليها حارما أقرانه منها !
من بقايا أموال نقل المعلومات للرجل الانجليزى الذى ساعده فى ادخار امواله بهذا البنك.
كانت تلك الأموال كل حياته ،كانت دائما سبب الخلاف بينه وبين أمى ..كانت التربية عبارة عن عدد من المليمات.

ذهب يتفقد الطرقات الذابلة ،التى غاب عنها القمر والشمس ..الطرقات التى ذبلت نهودها وجفت دموع أعينها ...تقطع ثيابها ،ورجالها غارقين فى العرق ...يشتد الوهن داخلهم رغم وجود أوردة النصر،وما النصر الا قوة ولكن القوة الآن صامتة.
النيران تتحدث..وما زلنا فى انتظار ابى، لكنه لم يرجع وحده ،كانت الوجوه الشاحبة تتجمع حوله،يحملونه بين أيديهم وقد سقطت عمته وقفطانه وتبدل حاله كثيرا..
زاد ألمى عندما رأيته وبدأت أجر خطايا المهزومة .
كل يوم كان يمر...كانت حالة ابى تزداد سوءا ،وما كان على الا ان اذهب للبحث عن عمل حتى أنفق على أسرتى ،وقد نبت داخلى احساس لا يعرف طعمه سوى المجنون.

داخل البلد المحترق أبحث عن لقمة عيش..عن دواء لابى ...عن طعاما كى أنام...!
وأثناء سيرى بأحد الشوارع العاجزة ..قابلت أحد أصدقائى وأخيه،فمرحبا وسلاما ثم سألنى عما أفعل الآن فى ظل توقف الدراسة محاولا اخفاء اليقين المتأصل لديه من كرهى لها ولكنى عندما وضحت له أمرى وما حدث ،فوجئت بأخيه يعرض على ّ العمل فى مكتب أحد المحامين ..رفضت الموضوع فى بادئ الامر ولكن الحال الذى وصلت له أسرتى جعلنى أوافق دون سماع لنبض الأفكار.

بين الاضواء المصطنعة فى الليل ...وبين رياح الفقر التى تترجى الصباح يطل ،أجد نفسى عاملا فى مكتب الاستاذ حسين باشا رفعت المحامى قصير القامة ذو الوجه المكهفر،لكنى كنت أشعر بطيبته من تكراره لكلمة العدل .
وكثيرا ما كنت أسأل :
- هل للعدل أسياد؟!....
وبعد عشرة أيام من عملى معه ،توفى والدى فأصابتنى حالة من الحزن والبكاء كالتى تصاحب رضيع الحلم عند فطامه ،وتغيبت عن العمل لمدة أسبوع فوجئت خلالها بفصلى منه يحمل عباراته مظروف يحوى رائحة الحريق المهزوم من مبلغ النقود الموجود بداخله .....
مليم أحمر نظير عملى فى مكتب الحقوق....العدل...المحاماة .تلك هى الورقة التى نزعتها من على جلد احد حقائب المكتب واصطحبتها طوال وقتى ....كانت عبارة تضعنى بين قوسين كلما رأيت منشديها.

ما هى الا ايام وفتح ستار المسرح من جديد ...وأخذت أبحث عن عمل آخر الى ان استقر بى اليأس يلفظ أنفاسه الأخيرة بعدما قابلت أحد أصدقاء والدى وساعدنى بلغة لا يفهمها الجهلاء فى العمل حارسا لعقار صدقى باشا ...العقار الملطخ بغيوم الحريق تركه ساكنيه يحوى بين جدرانه أمتعتهم وأشياءهم الثمينة ،لم يكن الاجر كفيلا بى وبأسرتى ....
وفى أحد الايام وجدت شخصا يقترب ولم أعطى له بالا ،الا اننى وجدته يخبرنى أنه من سكان الدور السادس وقد توفى والده وجاء يأخذ بعض الاغراض والحقائب ...

أعطانى المفتاح وأمرنى أن أحضرها من أعلى قائلا....

-          سوف أحضر بعد لحظات لأصطحبها معى .

 صعدت لأّتى بها وعندما دخلت الى الشقة وبدأت العبث بمحتويات الحقائب ، وجدت أحدها ذات حجم صغير يحتوى على  بعض الحلى ومبلغ من المال وخلال نظرى اليها ،دار داخلى حديث شيطانى وانطلقت روح العناد تحرك الجسد الذى تربى على القيم الموجودة بكتب شيخ الأزهر والجسد المحفورة داخله تلك القيم دون معنى ، دون حياة.
وبالفعل سرت بيها الى بيتى يكسونى ضوء الميكافيلية (الغاية تبرر الوسيلة) ولكن الرعشة المصاحبة لخطواتى جعلتنى أنسج ملامح بديلة .
بدأت أقترب من المنزل ...وضعت يدى داخل بنطالى ،وجدت تلك الورقة الباهتة (الحقوق – العدل – المحاماة) ، ألقتيها على الارض لتختلط بأقدام الثورة وانتظرت عام جديد ...
انتظرت تعمير القاهرة وازالة سواد الحريق ....


انتظرت .......بدأ الدراسة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعليق: خالد جوده
استند القاص في قصته الماثلة علي فترة مفصلية في التاريخ المصري المعاصر، وهي فترة حريق القاهرة وما تلاها مباشرة من أحداث، واستعمل عنوان القصة ليكون دالاً علي اختياره ذلك، وعنوان (مليم أحمر) يدلل علي انقراض الزمن في عمله من عملاته، لكنه يقصد أنه يتجدد مرة أخري، فالقاص يشير إلي جذور الأحداث، وتواصل الأجيال من جد ظالم وأب حزين مكلوم يتفاعل مع الحدث العام الذي مسه شخصياً ثم مواصلة رحلة الشقاء ذاتها تاريخياً مع بطل الحدث القصص ذاته، انه يقول لنا أننا ما زلنا نتعذب اجتماعيا واقتصاديا، فصحيح  فالمدخل تاريخي لكنه يشير إلي غياب العدالة الاجتماعية بإنتقائه الحدث التاريخي الذي يمثل مفصل تاريخي، والمفصل التاريخي هو فترة تبدلات اجتماعية وبيئة مناسبة تماماً للكشف والإبانة عن المشكلات الموروثة والخطيرة، ولكن القصة عادة ما تكون لحظة زمنية أو شريحة مجهرية للحياة، والقصة هنا أشارت لفترة شملت قيام بطل القصة بأكثر من عمل، وهي فترة أعتقد أنها طويلة شيئاً ما علي استيعاب قصة قصيرة، وإن حاول القاص تدارك الأمر في الخاتمة التي ارتبطت بالمقدمة في انتظار العام الدراسي وبدء الدراسة.
ملمح آخر هو أنسنة الطرقات دائما واحلالها لتعبر عن الأوضاع الشائهة في طوفان خطير باحتراق القاهرة، بل وأنسنة مفردات الطرقات مثل تلوث المبني (تلطيخه) بدخان الحريق، ومن سمات الجوده بالقصة القدرة علي إبدال التعبير بتعبير جديد غير الشهير أو المبتذل، مثال: (لكنه لم يرجع وحده، كانت الوجوه الشاحبة تتجمع حوله، يحملونه بين أيديهم وقد سقطت عمته وقفطانه وتبدل حاله كثيرا..)،  تعبير جيد بديل لعاد محمولاً علي الأعناق، كما أنها تقول أنها حالة جمعية فما الحامل للمصاب بأفضل من المحمول، فهو مرشح أيضاً بشحوبه كي يكون محمولاً في توقيت لاحق، أيضاً: (وقد نبت داخلى احساس لا يعرف طعمه سوى المجنون)، ومعني غير مباشر أو بديل  لغياب العقل، وأيضاً: (يتفقد الطرقات الذابلة، التي غاب عنها القمر والشمس) وهو إبدال لتعبير الليل والنهار، بحيث نتسائل كيف بمن فقد دورة الكون الطبيعية، وهو تعبير موفق لتجسيد الحدث الإستثنائي (الدائم في قصدية القصة طبقاً لقراءتي حيث أشار القاص أن الحياة مسرحية وبالتالي يعاد عرضها)، كما أن تعبيراته جيده، مثال: (... شرنقت تلك الفرحة)، حيث الشرنقة تفرخ بعد ذلك أمراً وهو تعبير جيد لنزعة الإخفاء لدي شخصية الحدث، كما تحوى القصة دوال جديدة مثل الطيبة = العدل، والفكر يعني الحياة (نبض الأفكار فهي قلب للحياة)، كما تحمل القصة وصفاً للشخصيات وإعطاء لمحات سريعة عنهم للقارئ ولكن الملاحظة قائمة أن وصف الشخصية بجزالة تتحمله قصة أطول، كما يوجد تفسير لحركة التاريخ فيقول واصفاً أهل مصر (يشتد الوهن داخلهم رغم وجود أوردة النصر، وما النصر الا قوة ولكن القوة الآن صامتة)، ولكن تحتاج القصة لبذل مجهود أكبر من القاص في المراجعة والتكثيف، فطريقة الكتابة ذاتها، وبعض التعبيرات القلقة في رأيى البسيط مثل: (وساعدنى بلغة لا يفهمها الجهلاء)، (وتغيبت عن العمل لمدة أسبوع فوجئت خلالها بفصلى منه يحمل عباراته مظروف يحوى رائحة الحريق المهزوم من مبلغ النقود الموجود بداخله)، (وبالفعل سرت بيها الى بيتى يكسونى ضوء الميكافيلية (الغاية تبرر الوسيلة)، حيث أن ضوء تعبير معنوي لا ينطبق علي مبدأ انتهازي، (وانطلقت روح العناد تحرك الجسد الذى تربى على القيم الموجودة بكتب شيخ الأزهر)، فمن شيخ الأزهر، وهو منصب معروف، وأعتقد أنه يقصد والد شخصية بطل الحكي وهو أزهرى وليس شيخاً للأزهر، ثم الخاتمة: (وضعت يدى داخل بنطالى، وجدت تلك الورقة الباهتة (الحقوق – العدل – المحاماة) ، ألقتيها على الارض) والبهتان أي معاني ضائعه لم ندري هل أخذ الحقيبة أم لا وهل ألقي الحقيبة أم الورقة؟، ( لتختلط بأقدام الثورة)، وهو إلماح للقادم بعد حريق القاهرة، وتحت الإقدام تعني  إهانه تلك المبادئ، (وانتظرت عام جديد .. انتظرت تعمير القاهرة وازالة سواد الحريق ....) وأرى أن عام جديد زائدة حيث وردت جملة (بدء الدراسة) والأوفق أن يكون سواد الحريق آخر كلمة في القصة.

الأربعاء، 25 فبراير 2015

قصة (ظنون) بقلم أ.د. خالد فهمي - تعليق: خالد جوده



ظنون!
بقلم أ.د خالد فهمي
---
،، فارحم القلب الذي يصبوا إليك
فغدا تملكه بين يديك،،
كان صوت هذه القصيدة البديعة يذوب في سمعه ،
يرده بعنف إلى تلك اللحظات المتكررة القليلة التي تجمعهما،
هناك في الطريق الطويل من جامعته إلى بيته،
نخلة قديمة عجوز منقعرة ،
كانت الرياح عاصفة جدًّا،
وكان ما انكشف من النخلة بلونه المرجاني القديم الذي ضربته عروق من لون حبات البن المحروق - يملأ نفسه حزنا وأسى،
اختلطت بداخله موسيقا باكية حزينة حيرى ،
وكلمات شاعر ذاب قلبه ، 
وانفطر لحبيب يتلاعب بمشاعره،
ومخاوف هيجتها الرياح الغاضبة ،
والنخلة المنقعرة ،
ووداع أوراق الشجر لمساكنها ،
وفراقها للغصن الذي يمدها بمادة حياتها،
انتقل شعور الفقد من هذه المشاهد إلى روحه ،
اهتاجت خواطره، 
تزاحمت الهواجس على قلبه،
ترجاها،
طلب إليها أن ترحم شوقه،
وعدها قلبه ،
طاردته الظنون،
جاءه الصوت خفيضا ،
آه من فرحة أحلامي ، وخوف ظنوني
تبدت أمامه قطعة من جمان ،
عيناها بحر صافٍ ،
أخذته
أبحر فيها ،
ازدادت مخاوفه ، 
تردد، 
ازداد ت سرعة الرياح ، 
زمجر ،
أسند رأسه على قبضة يده اليمنى ،
أسلم نفسه للطريق ،
يودع أشجارا تبكي،
تودع أوراقها،
تنكسر الغصون ،
تتدلى 
تبحث عن أطفالها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعليق: خالد جوده

استخدم أ.د خالد فهمي في النص وحدات تناص بها مع أغنيات عذبة لها صوت إيقاعي مستقر في وعي المتلقي، وبهذا حقق روعة الاستهلال وأهمية البدايات المشرقة للنص الادبي هو الاستحواذ علي القارئ والقبض عليه بمتعة القص حتي يدخل حديقة المعني، واستعمل تلك التقنية بإنتقاء عبارة شعرية شجية أخرى في منتصف رحلة السرد، فاحدث تصعيد درامي مشوق لدرجة اني سارعت لملاحظة هذا الإيقاع السردي المتوثب لاعرف الخاتمة والتي جاءت موفقة في شأن من التماثل اللغوي (غصون / ظنون) والغصن ذاته طفل للفرع، والحنو من الغصن الابن يبحث عن طفله أيضا وكانها رحلة الأحزان من شجرة تبكي تودع اوراقها إلي غصون تنحني إنحناءة الألم بكسرها تبحث عن فلذة كبدها فهي صورة تاريخية للحزن مركبة، وبين الاستهلال والخاتمة نجد سر عجيب يمنح الكلمات سمة الأدبية وهو الصدق الفني، فهذا النص من أروع ما قرأت من نصوص أخيرة للدكتور خالد دائرة في هذا الإطار، وأجزم ان احساسها صادق 100% لأني وجدت صداه في بكاء علي الطلل وما أنتجه من شان تراثي شعري مجيد بتمثيل النخلة المنقعرة، مع إنتقاء هذه المفردة القرآنية القوية وما تستدعية من صورة قاسية لسوء المآل، وصدق في رجع أنين الإحساس، وفي حركية النص وتدفقه وشجنه في آن.


قصة (غزو) للقاص: أحمد أبو الحجاج - تعليق: خالد جوده

نافذة الموهبين
غزو ( قصة قصيرة )  

أحمد أبو الحجاج خضاري   

تغزوه الأحلام من حين إلي حين ، كلما مدد جسده الواهن علي أرضية الغرفة المظلمة ، ذات الجدران " الكحلة " * ، وهو مغمض عينيه مستسلما لنوم عميق ، يحتضن الحلم بعد الحلم ، وكل حلم كان يحلم به علي قدر روحه وجسده ، لم يكن ليتخطي حدود أحلامه ، لكن !! .... هناك حلم واحد كان يرافقه أثناء رحلة نومه العميق قبل أن يفيق يتمني تحقيقه ............................................ " أن يشعر بين الناس بآدميته "
 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* " الكحلة " كلمة تطلق علي الجدار الذي لم يتم تشطيبه ، أي اللون الغامق أو القاتم .

التعليق : خالد جوده :

تلقينا تلك الرسالة من الأستاذ أحمد أبو الحجاج خضاري فني ترميم الآثار ، وتنتمي تلك القصة لنوع القصة القصيرة جدا ، أو قصة الفلاش (الومضة)، وتقوم علي التكثيف الشديد ، وإقتصاد الكلمات إلي أقصي حد ممكن ، فنية النص تتضح من خلال عجز البطل  عن تحقيق آماله وبناء حياته ، وحلم الأحلام ( أو الحلم الذي يرافق جميع الأحلام ) هو الحرية ، وكان الحرية هنا معادلا موضوعيا للظلمة ، والجدران الخانقة والقاتمة ، لذلك لا يتبدل الأمر طالما ظل علي الحال ، لذلك يسقط دائما تحت سنابك غزو الأحلام
فقط هناك ( علي التكثيف ) استخداما كبيرا لعلامات الترقيم .
ننتظرك دائما صديقنا . 

مجموعة قصص (روح الفراشة) للقاص: طلعت رضوان - تعليق: خالد جوده


لحظات التواصل الإنساني بين اللقاء والعزلة
في مجموعة قصص (روح الفراشة) للقاص: طلعت رضوان
تعليق: خالد جوده
روح الفراشة عنوان مركب من مفردة الفراشة الرقيقة الشفافة، والروح الأثيرية الشفافة أيضاً، وبالطبع مجال التأويل مفتوحاً، لكن أرى أن روح الفراشة الرقيقة هي روح التواصل الإنساني في صحراء الحياة القاسية، وأن إرادة القص في تأويلي تنحو إلي تقديم لحظات اللقاء الإنساني باعتبارها شريحة معبرة تماماً عن أحلام وآلام الإنسان، فلحظات اللقاء في القصص تأتي غير مرتبة أو مقصودة، إنما تأتي ثماراً للوحدة المرة، كما قالت العرافة: (أنت يا إما هربان من نفسك، يا إما بتدور عليها) ص 79، فمعظم شخوص القصص تبحث عن ذاتها وتتحرك تحت وطأة الحرمان والقسوة في دروب لا تقصدها وتسافر (بروح العصفور) بدون وجهه محددة، وتجادل (روح الشجرة) بين الشد والجذب والحنين، إنها لحظات لقاء محكوم عليها بالعزلة أيضاً، فكانت بلا تاريخ سابق أو مستقبل مشهود، مما يضاعف من عمق لحظات التواصل واللقاء هو إسقاط التاريخ الماضي (مثال: فقدان الهوية الشخصية مثل بطلة كوب عناب العجوز، أو توافر أي معلومات عن إمراة البرد والظلام)، وإسقاط التواصل المستقبلي (بإملاء البطل أرقام الهاتف خطأ لامرأة التقاها بدون ترتيب)، إذن هي شريحة مجهرية للحياة مستقلة بذاتها، ومما يضاعف المأساة أن أطراف اللقاء دائماً يمضي كل منها في اتجاه معاكس للآخر، حتي الأحباب منهم مثل العجوزين لظروف لا نعلمها ولم يقدمها الرواي الشاهد من قلب الحدث في (كوب عناب ساخن)، أو لاكتشاف مفارقة روح الشخصية القصصية الخيالية للشخصية الواقعية، أو صدام المادة بالروح كما في قصة المرأة التي تظن نفسها شاعرة، أو علي مستوي تعبيري كاشف في تراكيب ضديه في حديها: (صخب الصمت)، (ضجيج الصمت)، (العتمة المضيئة)، إن لقاء الضدين: (الموت / وثبات العناب في الكوب) كمعادل موضوعي لخلود روعة مشاعر التواصل الإنساني، والحوار مع الكائنات الأخرى والعطف عليها، حتى التعاطف  مع الأشياء (وأعلي كل ركن نجفة أشفقت علي السقف من تحملها) ص 84، أو البحث عن الروح المفقودة في قراءة الوجوه، والإبتسامه التي ترطب القلب، إن القصص بذلك إدانة لافتقاد روح التواصل الإنساني الشفيف، فالـ(العزلة ضببت طريقهما) ص 100، والقصص ذاتها كاسحة للعزلة (ضباب العزلة يكسحه الكلام) ص 100، وتبقي دائما النافذة المضيئة لداخل القصص، في حوار ملخص: (قلت: إن خيالاتنا الشعرية هزمها الواقع، قال: إن خيالاتنا الشعرية كانت لتحسين صورة الواقع) ص 67.

الأحد، 22 فبراير 2015

قصة (أزرق قاتل) للقاصه: سهيله عزوني، تعليق: خالد جوده


قصة (أزرق قاتل) للقاصة: سهيله عزونى، تعليق: خالد جوده


أكتافٌ لوحَّتهَا الشًّمسُ حتى صارت بلون ِ الخبزِ اليوميِّ.. وعيونٌ أنهكهَا النعاسُ وطولُ التحديق في الأفق ِ ترنو للبعيد.. ترقب اللَّحظة المناسبة للانقضاض على الأرض الحلم ... هناك كانت سفنٌ تحط ُّ المراسي أو ترفعُهَا لتغادر الميناء و تذهب في رحلتها عبر البحر بكامل حريتها و بكرامةٍ غير منقوصةٍ.. حرية ٌ لا تمتلكونهَا و كرامة ٌ لستم موعودين بها..
عند الإشارةِ، عَمدَ الجميعُ لطمس أيَّ دليلٍ على هوياتِهِم.. حاكيتَهم في فعلهم فأحرقتَ جواز السَّفر..
واحدٌ وعشرون شخصًا من طالبي الضِّفةِ الأخرى على متنِ قاربٍ يتسعُ في الحالة الطبيعية لعشرة أشخاص ٍ، يسعون نحو أملٍ يسكن وراء البحر يظنُّه البعض منكم ورديَّ اللون ناعمَ الملمس.. هم جميعًا أندادُكَ و نظراؤُكَ من المزروعين في أزمنة ٍ غير مناسبةٍ على مربعاتٍ منتشرةٍ على مدى جغرافيا الرُّقعةِ العربيةِ.. ملوُّا حرفةَ الانتظارِ فركبوا الصَّعب كفرسان يعاندون أزمنتهم الصعبة.. يركضون وراء أحلامٍ كأفراس ٍ جموحةٍ.. وإن توقعوا نهاية ً محتملة ً في بطن حيتان ٍ تترصَّدهم عند كل ارتفاع موج ٍ.. لكنَّها تظلُّ أفضلَ من السقوطِ فريسة ً للمفخخات والعبوات النَّاسفة، وتظلُّ أفضل من الغربة في وطن ٍ أصبح ملكية ً فردية ً لعصابةٍ من المفسدين في الأرض..
*******
تؤلمُكَ معدتُك ، لم تتناول شيئاً منذ أيامٍ.. آخرُ عهدك بالطَّعام كان كوبُ عدس ٍ منقوع ٍ في ماء البحر.. الآن نفد كلُّ المخزون.. حتى شربة الماء لم تعد تتوفَّر..  تبتسم في حنان ٍ و أنت ترى نفسك عائدًا من المدرسة إلى البيت حيث تستقبلك رائحة خبز أمِّك من منتصف الطريق..  أمُّك.. آه كم أنت في حاجةٍ لترتمي بين ذراعين يغري دفؤهما بالمكوث دهرًا.. كم تشتاق أن تمرَّ أناملها على وجهك كي يزول ألمُ الوحشةِ و الجوع ِ و الخوفِ! تستيقظ من غفوة الحلم على واقع ٍ مرٍّ.. صار للمكان رائحة ُ دورة مياه ٍعموميةٍ في منطقةٍ شعبيةٍ.. ارتفع بخر محتويات مثانات ركاب القارب المحفوظ في زجاجات الماء المستهلكة حتى آخر قطرة..  فظيع ما تحس به الآن من جوع ومن عطش ومن خوف وضعف ، جمدت الأوصالُ.. جفَّ الحلقُ.. ذهب الصَّوتُ أو يكاد.. لم يعد هناك من الطَّاقة ليكفي لمجرد تحريك الحبال الصوتية!
تعمد إلى الزُّجاجة الموضوعة أمامك.. تغمضُ عينيك و تسدُّ أنفك و تفرغُ كل محتواها في جوفك..
معدتك لم تقوَ على تحمُّل المشروب المنفر.. فلفظَت كل ما تلقَّته.. تتقيأ ُ.. تفرغُ كل ما في جوفك ومعه يندلقُ كأس المرارة الممتلئ حدَّ الحافة..
*******
طيلة حياتك واجهتك المواقفُ الصًّعبة ُ.. ذلك روَّضك قسرًا على الصَّبر بلا حدودٍ وعلى قوَّةِ احتمالِ ما لا يحتملُ..
كم مرَّة ً خضتَ هذه الرحلة عبر البحر ثم عدت خائبًا.. ومع ذلك ظلَّت الحاجة التي تسكن داخلك أكبر وظلَّت نظرةُ عيني أمِّك المتوسلة ُ نجدتَكَ أكبر من محن البحر وأخطار الإبحار.. دائمًا تعود للمغامرة والمخاطرة مرةً ومرَّةً و أخرى.. هل هو مقدَّرٌ على الإنسان أن لا يتقن سوى مغامرة ً واحدة ً فلا يعود يحفلُ بسواها؟ و لكن الجواب يظلُّ عصيًّا..
ماذا لو كان هناك حل آخر؟
حل آخر؟ تغمضُ عينيك في استسلام و ترتجلُ بسمة َ تهكُّمٍ..
- أريد أن أشرب.. شربة ماء.. هل يسمعني أحدكم؟ النَّجدة ، النَّجدة .. لكن صوتك لم يكن يغادر حلقك بل كان يرتدُّ مكتومًا حسيرًا كسيرًا إلى الدَّاخل.. إلى عمق جوفك  
كم من الوقت مرَّ عليك و أنت على هذه الحال ؟
تنتابُك حالة ٌ من السكينة المريبة..يبدو أن تلك الساعة قد حانت.. فلا محالة من الاستسلام لفكرة الموت..
شرعت في استعراض شريط شقائك.. تنقِّبُ في زوايا الذاكرة عن صور ٍ متعاقبةٍ لأحداث حياتك ، كفيلمٍ سينمائيٍّ يوثِّق لسلسلة هزائمك وانكساراتك الشَّخصية منذ فشلك في تحقيق حلم والديك في الدِّراسة إلى عجزك عن تأمين لقمة عيش ٍ يوميةٍ مستمرةٍ لوالدتك ولأخوةٍ صغار تركهم الوالد أمانة في عنقك بمقتضى ترسيمه لك رجلَ الدًّارِ بعدَه..
طابور من الذكريات تتنطَّط بخيالك ، ثعالب لئيمة شرسة.. تشهر المخالب وتكشِّر عن الأنياب.. تتسابق.. تنقضُّ على أيامك و تتخطَّفُهَا.. لطالما كنت مسالمًا منصاعًا لعرف القطيع في الطاعة اللا مشروطة وفي التَّسليم والرِّضا بما هو كائن. لكن ما من مرَّةٍ مددت يدك فيها لتنال شيئًا إلاَّ وعادت لك فارغة ً كما أرسلتَها.. رغم أنََّك لم تكن متطلبًا ولا كانت حاجاتك في هذه الحياة معجزة ً كبرى غيرَ محتملةِ الحدوثِ.. فقط زوجة ٌ وأولادٌ و بيتٌ ووطنٌ يعرفك ويعترف بك.. تلك كانت كل مطالبك.. و لكنَّك مع ذلك ظللت دائمًا عصِيًّا على الانزلاق في مستنقعاتِ الخطأ..
*******
رَفرَفت فوق رأسك سعادة ٌ مبهمة ٌ كالخدر.. تحسُّ و كأنك تغرق في سائلٍ دافئٍ بلَّل وجهك.. تشرفُ عليك دموع أمِّك وهي تتمسًّك بك بيدين متعرِّقتين ومرتعشتين تحضنك مرَّة وتبعدك قليلا ً حتى تتملَّى وجهك وهي لا تزال مستغرقة في انتحابها.. تعود وتردِّدُ على سمعك بعض وصاياها ثمَّ لا يلبثُ صوتها أن يغيب.. تعزله عن سمعك شهقاتُ البكاء..
تستيقظ ُ على شعور ٍبالصَّدمة صوت ارتطام القارب بشيءٍ صلبٍ.. ثم صدمة ٌ ثانية ٌ 
فتحَت عينَيك الكليلتينِ على الهلع وأنت ترى أزرق البحر يبتلع زرقة السماء..
الرؤية صارت غائمة ٌ.. تجدُ نفسك في دوامةٍ.. تضغط على جفنيك ثم تحاول أن تباعدهما من جديد لتحصل على بعض الرؤية..تمتدُّ يدك لتقبض على شيء تتمسَّك به فلا تجد غير الماء.. يشُقُّ عليك التقاط ُ الهواءِ اللاَّزمِ لرئتيك.. ينتابُ جسمك بعضُ الانهيار تستسلم روحك لبعض الإغفاء..
*******
غدًا سيقبضُ حرسُ السَّواحلِ على أجسادٍ أكلَ بعضَها الحوتُ ومزَّقها طولُ التَّداولِ بين موج البحر وصخور الشاطئ..
وستتبارى الصحفُ في نحت مانشيتاتٍ عريضةٍ جذَّابةٍ.. وستتحدَّث وسائلُ الإعلامِ بعباراتٍ حفظها الجميعُ ولا يفهما أحدٌ عن الظَّاهرة العابرة للحدود.. وعن ضرورة تدخُّل كافة الشركاء في إطارِ المسؤوليةِ الإقليميةِ المشتركةِ.. و سيغفلون الحديثَ عن أصل ما حدثَ.. تطوُّعُ الشَّباب "الطائش المتهور" للقيام بمهمة أوكِلَت أصلا ً لغيره وفشلَ فيها.. القضاءُ على سوءِ أوضاعِهِم المادِّية وتحسينُ ظروفِ معيشتهم.. حثالة ُ اليقظةِ المترسِّبةِ في قاع ِ وعيك تنذرُك بالخطرِ.. تذكِّرُك بأنَّك سبَّاحٌ ماهرٌ.. لكن أين لعضلاتك أن تستجيب.. بفعل قوة السقوطِ الحرِّ،يهوي جسدُكَ بثقله إلى القاع.. يسابقُ رأسُكَ بقية َ الأعضاء ِ.. لكن الرِّسالة استمرَّت في الإلحاح ولو بشكلٍ ضبابيٍّ.. تصرُّ على إقناعك أن ساعتك لم تحن بعدُ.. ينتصرُ بداخلك حبُّ البقاءِ.. بمجهودٍ خرافيٍّ تفيقُ من إغماءةِ حواسِّك.. تستديرُ حول نفسِكَ مائة ً وثمانين درجة ً عموديًا.. ترفعُ ذراعيك للأعلى.. تفتح كفَّيك المنغلقين بإحكامٍ.. تُصالبُ بين أصابع يديك وتقفزُ بكل القوَّة التي أنت قادرٌ عليها للأعلى.. تشهقُ شهقة َ الحياة حينما وجد الهواء أخيرًا طريقه لفتحتي أنفك..تحسُّ بتمزق رئتيكَ و حلقِكَ وكل مجاريكَ التنفسيةِ وأنت تشرقُ بالماء ِ المالح ِ الذي ابتلعتََه قسرًا..طعمُ الملح كان قاسيًا وحارقًا على لسانك و شفتيك المتشقِّقتين.. بصعوبةٍ بالغة ٍاستطعت أن تباعد بين جفنين منتفخين لتفسحَ الطَّريقَ لعينين محمرَّتين أتى ماء البحر على كل دموعهما.. تحاولُ أن تستطلعَ المكانَ.. لا شيءَ.. ليس من حولك سوى امتدادٌ شاسعٌ أزرقُ مفتوح ٌ على كلِّ الاحتمالاتِ.. وحده جسدُكَ كان يطفو على هذه المساحات الممتدة من اللَّون الأزرق.. استعدت شيئًا من دربتِك الكبيرةِ في السِّباحة.. جعلتَ جسمَك يطفو على سطح ِ الماء ِ.. وسلَّمته أمانة ً يقودُها الموج حيث المشيئة..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعليق: خالد جوده
تتمتع القاصة بموهبة أدبية لا شك فيها، بل ملمح "الأدبية" في النص ينبض في مفاصل ونسيج النص جميعه، وما يلي شواهد لذلك:
-          شرعت القاصة قلمها بنحت الكلمات بأزمير البلاغة المكثفة، بما جعل السرد أقرب إلي مدرسة البيان المقطر بالعناية البالغة بالمفردات وتركيبها في مشهدها الكلي، والتفصيل:
-          العناية بانتقاء المفردات، ففي تعبير (يندلق كأس المرارة الممتلئ حد الحافة)، مفردة (يندلق) أقرب للعامية يعني قسوة الحركة الطافحة بالبؤس، وبالمثل في تعبير (طابور الذكريات تتنطط بخيالك)، نجد مفردة (طابور) المرتبطة بمرحلة الدراسة الأساسية، ومفردة (تتنطط) معبرة عن الفرح الطفولى، والطفولة تمثل دائما مرحلة الذكريات الحلوة كمتلازمة معني، وتلك أمثلة فقط تشير لبراعة الوصف، وجعله متصلاً بمتن القصة وروحها العام فإحلال مفردة الخبز اليومي محل اللون الأسمر يتماس مع متن القصة العام، بل إن الحرص علي نقاء حدي التشبيه بنفي الأسمر واستبداله باليومي، يعطي إشارة للتقطير البلاغي للتذكير بفداحة مشكلة الشباب المميتة.
-          ينضوي مشهد السرد الكلي حول (شرعية الهجرة الغير شرعية)، وعنوان القصة قدم هذا التناقض في حديه (أزرق قاتل)، حيث لون ماء البحر الذي يبتلع ضحاياه من راغبي الحياة الكريمة، وأكثر من تعبير يحمل نفس المعني، فتعبير (ترتب اللحظة الحاسمة للانقضاض علي الأرض الحلم) بما يمنح معني التربص في مفردة الخطف مع القوة (الانقضاض)، رغم أنه حلم عادي مستحق للشاب ومشروع تماماً، لكنه أقرب للمستحيل، وتعود القاصة لتقديم تعبيرات تفسيرية للتأكيد، مرة بصورة مباشرة (ثم حرية لا تمتلكونها، وكرامة لستم موعودين بها)، ومرة بتقنية التكرار بمفهوم المخالفة حيث يتمتع الآخرون بكرامة غير منقوصة.
-          ولمحات أخرى: حيث تسرد القاصة (شريط الشقاء)، وتمنح البطالة وضعية الاستقرار والتجذر في تربتنا المصرية والعربية (حيث يحضر المشهد العربي، فهو أوجاع مشتركة لبعض البلدان العربية)، فمثلت البطالة بالمهنة (ملوا حرفة الانتظار)، مع استعمال طريقة الاسترداد بتوتر سردي بين الماضي والحاضر والمستقبل، فهي مشكلة مزمنة، فالعودة للماضي (طيلة حياتك)، وذهاباً للمستقبل، انطلاقاً من حاضر متردى (فلا محالة من الاستسلام لفكرة الموت)، وترك النهاية المفتوحة في وضعية الغرق العاصف.

بقي أن نشير أن حرص القاصة للإبانة والكشف جعلها تستند لتوابل في القص منها استعمال الأمومة كخط درامي آخر لتعميق المأساة، لكن استغراقها في هذا الحرص أسلمها إلي تداعي وبعض مباشرة في تعبيرات أتت مستقبلية، لكنها أتت في سياقها المعتبر بلا افتعال، حيث تمثل (حديث وسائط الإعلام)، لكن التداعي في تكرارية الحدث القصصي في الماضي أتي غير منطبقاً علي قياس منطقي في رحلة العذاب التي تقصم ظهر الشاب وتسلمه غالباً للموت أو علي أقل تقدير للاعتقال والمهانة والدمار الاقتصادي، مما يصعب معه أن تتكرر هذه الرحلة أكثر من مرة (كم مرة خضت هذه الرحلة عبر البحر ثم عدت خائباً)!!، وأعتقد أن القاصة في دربها لإنتاج نصوصا أكثر كثافة من نص كثيف أصلاً (رحلة للقصة الومضة)، حيث نصوصاً أخرى في مثل ذكاء هذا النص وأروع. 

الأربعاء، 11 فبراير 2015

قصة (ريان يا فجل) للقاص د. أحمد الباسوسي، تعليق: خالد جوده


قصة (ريان يا فجل) للقاص د. احمد الباسوسي
كان موعدنا بعد العصاري ... على ضفة النهر ... لنستأنس بالمحبين ... ونشهد الشمس وهي تنزف قبل أن تموت في الأفق ... وكان غاضبا جدا ومنفعلا جدا ... صرخات مبحوحة تقاطرت من فمه الضيق ... خفف من وطأتها انشغاله بتنظيف زجاج نظارته السميك. قال "هذا الشخص ... لو قال ريان يا فجل ... لخرجت المقالات تزف للعالم عن ذلك الفتح الإبداعي الخطير الذي يضاف لإبداعاته المتلالآة". لم يكن بمقدوري أن اعلق ... فقد لمحت جوهرتي عينيه الضيقتين وقد احتقنتا بالدمع قبل أن يواريهم بزجاج نظارته السميك ...ماتت الشمس، ومات النهار ... ووقفنا ننظر للمحبين المتشابكين اثنين اثنين  ...وصديقي الشاعر غابت عينيه في ماء النهر ... وقوارب الصيادين ... سمعته يتمتم ... ويتمتم ... ثم غادرني على عجالة ليلحق بالحافلة المتجهة للقلعة... وقد اقتربت من المحطة ... أدركت حينها إنني ربما استمع لقصيدة جديدة في الغد  ...وأدركت أيضا إنها لن تكون ريان يا فجل... وأدركت كذلك أن لا أحد سوف يهتم. 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعليق: خالد جوده
عنوان القصة مقولة شعبية شائعة عندما يصيح بائع الخضراوات علي سلعته البسيطه (الفجل)، المفارقة بين الاهتمام بخروج المقالات تزف الإبداع، والتنكر للإبداع الحقيقي، فالوضع في التقييم الأدبي معكوساً، وتبقي دوال أخري في النص منها زجاج النظارة السميك من إجهاء البحث والدرس والصقل، ومنها خط درامي يتوازي مع الإدانة للحياة الثقافية برمتها او النقد بصفة خاصة، يتمثل هذا الخط في صورة مشهدية للشمس النازفة المقبورة علي مشارف الأفق، كما قدمت القصة دوال رائعة حول منابع الإبداع الأصيل، فالمبدع الحقيقي من الشعب (القلعة)، يقتني عيناً طوافه لاقطة فهي عيون تتندي بالإنفعال العاطفي النبيل (جوهرتي عينيه الضيقتين وقد احتقنتا بالدمع)، وهو يتفاعل من البسطاء والنهر والمحبين (اثنين اثنين)، يحيا حياتهم (يرتقي الحافلة)، ويعبر عنهم بــ(قصيدة جديدة في الغد  ...وأدركت أيضا إنها لن تكون ريان يا فجل)، رغم آلام اغترابه الحادة (... وكان غاضبا جدا ومنفعلا جدا ... صرخات مبحوحة تقاطرت من فمه الضيق).

نص (ظنون) بقلم: أ.د خالد فهمى، تعليق: خالد جوده



ظنون!
بقلم أ.د خالد فهمي
---
،، فارحم القلب الذي يصبوا إليك
فغدا تملكه بين يديك،،
كان صوت هذه القصيدة البديعة يذوب في سمعه ،
يرده بعنف إلى تلك اللحظات المتكررة القليلة التي تجمعهما،
هناك في الطريق الطويل من جامعته إلى بيته،
نخلة قديمة عجوز منقعرة ،
كانت الرياح عاصفة جدًّا،
وكان ما انكشف من النخلة بلونه المرجاني القديم الذي ضربته عروق من لون حبات البن المحروق - يملأ نفسه حزنا وأسى،
اختلطت بداخله موسيقا باكية حزينة حيرى ،
وكلمات شاعر ذاب قلبه ، 
وانفطر لحبيب يتلاعب بمشاعره،
ومخاوف هيجتها الرياح الغاضبة ،
والنخلة المنقعرة ،
ووداع أوراق الشجر لمساكنها ،
وفراقها للغصن الذي يمدها بمادة حياتها،
انتقل شعور الفقد من هذه المشاهد إلى روحه ،
اهتاجت خواطره، 
تزاحمت الهواجس على قلبه،
ترجاها،
طلب إليها أن ترحم شوقه،
وعدها قلبه ،
طاردته الظنون،
جاءه الصوت خفيضا ،
آه من فرحة أحلامي ، وخوف ظنوني
تبدت أمامه قطعة من جمان ،
عيناها بحر صافٍ ،
أخذته
أبحر فيها ،
ازدادت مخاوفه ، 
تردد، 
ازداد ت سرعة الرياح ، 
زمجر ،
أسند رأسه على قبضة يده اليمنى ،
أسلم نفسه للطريق ،
يودع أشجارا تبكي،
تودع أوراقها،
تنكسر الغصون ،
تتدلى 
تبحث عن أطفالها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعليق: خالد جوده

استخدم أ.د خالد فهمي في النص وحدات تناص بها مع أغنيات عذبة لها صوت إيقاعي مستقر في وعي المتلقي، وبهذا حقق روعة الاستهلال وأهمية البدايات المشرقة للنص الادبي هو الاستحواذ علي القارئ والقبض عليه بمتعة القص حتي يدخل حديقة المعني، واستعمل تلك التقنية بإنتقاء عبارة شعرية شجية أخرى في منتصف رحلة السرد، فاحدث تصعيد درامي مشوق لدرجة اني سارعت لملاحظة هذا الإيقاع السردي المتوثب لاعرف الخاتمة والتي جاءت موفقة في شأن من التماثل اللغوي (غصون / ظنون) والغصن ذاته طفل للفرع، والحنو من الغصن الابن يبحث عن طفله أيضا وكانها رحلة الأحزان من شجرة تبكي تودع اوراقها إلي غصون تنحني إنحناءة الألم بكسرها تبحث عن فلذة كبدها فهي صورة تاريخية للحزن مركبة، وبين الاستهلال والخاتمة نجد سر عجيب يمنح الكلمات سمة الأدبية وهو الصدق الفني، فهذا النص من أروع ما قرأت من نصوص أخيرة للدكتور خالد دائرة في هذا الإطار، وأجزم ان احساسها صادق 100% لأني وجدت صداه في بكاء علي الطلل وما أنتجه من شان تراثي شعري مجيد بتمثيل النخلة المنقعرة، مع إنتقاء هذه المفردة القرآنية القوية وما تستدعية من صورة قاسية لسوء المآل، وصدق في رجع أنين الإحساس، وفي حركية النص وتدفقه وشجنه في آن.


الثلاثاء، 10 فبراير 2015

قصة (نساء جميلات) للقاصة د. شادن شاهين، تعليق: خالد جوده


نساءٌ جميلات
د. شادن شاهين
اختبأتِ الصغيرةُ خلفَ إحدى الشجيرات في الحديقة، وراحت تُراقب من نافذةِ البهوِ الكبيرِ ما يحدثُ في تلك الحفلةِ الصاخبة.
رأت نساءً أجمل كثيراً من أمها، ليس للشمس أثرٌ على وجوهِهن البيضاء، يرتدين ملابسَ أكثرَ أناقةً من ثوبِ أمِها الخالي من الزينة، يتراقصن على أنغامِ الموسيقي، تترددُ أصداءُ ضحكاتِهن لتملأَ المكان.
"
لماذا لا تضحكُ أمي؟!، ولماذا لا تدعني ألهو في الحفل؟" تساءلتِ الصغيرةُ بغضب.
قرَّرت أن تسألَها، دلفتْ إلى المطبخ، وجدتْ أمَّها مشغولةً بتجهيزاتِ الحفل، وثوبُها الأسودُ الرثُ يتنافرُ بشدةٍ مع فخامةِ المكان.
صرختْ بغضبٍ:" أمي"، تركتْ ما في يدها فوراً والتفتتْ إليها شلالاً من الحبِ أغرقها في لحظة، أحاطتها بذراعيها، وعيناها تقولان أكثرَ مما يمكن أنْ يُقال.
انعقد لسانُ الصغيرة، وذابَ غضبُها وإنكارُها، ونسيتِ النساءَ والأضواءَ، وهمستْ لها:" فقط أردتُ أن أقولَ أنكِ أجملُ النساء".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعليق: خالد جوده
رغم أنها قصة قصيرة جداً، لكنها يجب أن تخضع لمعيار القصة القصيرة القائم أن كل مفردة في القصة يجب انتقائها بعناية شديدة، وألا يوجد لفظة متكررة زائدة أو تعبير يمكن أن يفطن له القارئ بذكائه الخاص، حيث أن من فطنة القاص أن يثق تماماً  بذكاء قارئه فيترك له ما بين السطور كي ُيعمل فيه ملكته الخاصة في التأويل وإعادة إنتاج النص، فما بالنا بهذا النص المكتنز المجمل والمفصل معاً، وروعة الأداء الأدبي أتت من المقابلة بالعناية الفائقة بالمفردات حتي السطر قبل الأخير عبر ثنائيات متقابلة (نساء أجمل من أمها)، وتنويعات التلوين: (ليس للشمس أثر علي وجوههن البيضاء) والمضمر: أن الأم اكتست بلون الشمس الأسمر في كفاحها النبيل المرير، وأيضاً (الثوب الأسمر) في مقابلة الفخامة،  الصخب ورنين الضحكات العالية في مقابلة انشغال الأم وصمتها، لنعلم بعد حين معني مضمر يمتثل أن هذا الصخب كالطبل الأجوف، بينما روعة العطاء أنتجت شلال الحب والأمومة رواء هذه القصة النيرة، لكن تظل الملاحظة في المفتتح أن خاتمة القصة (وإنكارُها، ونسيتِ النساءَ والأضواءَ، وهمستْ لها:" فقط أردتُ أن أقولَ أنكِ أجملُ النساء". ) أعادت بشكل نثري مباشر ما تم قوله بلغة الفن الرفيعة، القاصة ملكة القصة بلا شك لها أن تبدل أو تبقي، هذا حقها ومن حقي أيضاً أن أبدي وجهة نظر كقارئ: أجمل عنوان للقصة "أجمل النساء"، حيث أدانت القاصة الجمال الفارغ من روعة الكفاح فكيف توسم بهن عنوان قصتها الطيبة؟!!