الأحد، 8 فبراير 2015

قصة (النار) للقاصة غاده نصار - تعليق: خالد جوده

#شعاع_من_النقد

النار
قصة بقلم: غاده نصار
كانت العربةُ تنهشُ الطريقَ كنَمرةٍ صغيرةٍ في ذلك الوقت المبكر من الصباح، و بينّا عيناها مكبلتان إلى الطريق، كانت يداها تكبلان عجلة القيادة، و الأفكارُ تكبلُ عقلَها .غارقةٌ هي في بحار الفكر، تحاولُ أن تحددَ موقعها في خريطة أحلامها، فلا تستطيع .بعض المواقع تعجز حتي أحدث اجهزة الرصد عن تحديدها. موقعك من نفسك، و موقع نفسك اليوم من نفسك الأمس، وموقع ما حققتَ مما به حلمتَ. ذكرياتٌ تحوم حولها محملةً بأطياف الحزن .. نفضَتْ رأسها علَّها تلقي مابها من ذكريات بعيدا، لم تكن تدري ما الذي جعل الذكرياتِ تذْكرُها ذاك الصباح. ربما هو اضطرارها للسفر بلا رجل .ربما هو مزاحمتها لعربات النقل و الشاحنات العملاقة على الطريق بعربتها الصغيرة،كما فُرضَ عليها أن تزاحمَ بأنوثتها الكسيرة عتاولةَ الرجال.
كانت -يومًا- تنتظر (موسى) لا ليلقي عصاه فتلقف ثعابين دربهاو آفاته، و لا ليشق لها في بحر الآلام ممرا تسير على عينه فيه، لا تخش فرعونَ و لا طاغية، فقط كانت تنتظره نفسها ليسقي لها غُنيمات وحدتها العطشى لرفيقٍ، و يكف عن قلبها مشقة مزاحمة الرعاء.
قلبٌ لاتكاد تسبين ملامحه من كثرة ما خُطَّ على صفحته من تجاعيد، و نفسٌ اشتعل شيبها، فماعادت تجدي معها ملونات الأحلام، لتضفي عليها شبابا ليس لها.
عبرت شاحنة عملاقة الطريق أمام العربة فجأة، ارتعدت فرائصها..  هاجس الموت وحيدة الذي طالما راودها يطل بوجهه البغيض مرة أخرى، تخاف أن تعبث أنامل لا تعرفها بجثمانها بعد الموت، هل سيفتقدها أحد؟؟ هل سيشعر بغيابها أحد؟؟
أطل عليها رأس حماتها من زواجها السابق وهي تعايرها بعقم ابتليت به، و عبراتها التي سالت مع توسلاتها لزوجها السابق ليبقيها مع زوجته الجديدة و أم ولده، ورفضه التام فالجديدة لا تريد ضرة.  وطاردتها صورة زميلاتها اللاتي يخشين على أزواجهن منها، و صورتهن و هن يرقين أطفالهن إن قبلت أحدهم أو داعبت خصلات شعره، و لثمت كفيه الصغيرين، اللتين لن يكون لها مثلاهما أبدا.
نفضت رأسها مرةً أخرى من الهواجس. لاحت أمام عربتها هرة، حاولت تفاديها قدر الإمكان، اختفت الهرة، ولم تدرِ مصيرَها، صرخَتْ، خافت أن تكونَ قد آذتها، لاحت لها وجوه زميلاتِها و الدموع تنهال على خدودهن، واحداهن تعظهن و تذكرهن بالمرأة التي دخلت النار في هرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعليق بقلم: خالد جوده
تنحو القاصة إلي تقنية بارعة في التركيب لمشهدها القصص الكلي، من خلال إجراء عدد من التنويعات والتوليد في الصور المتراتبة، سواء علي مستوي جزئي أو مستوي المشهد شاملاً، والأمثلة كثيفة رغم حيز القصة "القصيرة القصيرة"، فالسيارة  الصغيرة مفتتح القصة تنهش الطريق، وسيارات تنهش السيارة الصغيرة عبر الطريق، العيون مقيدة بالطريق، والمقود مقيد باليدين، والعقل مقيد بالأفكار، ..... إلي آخره، إنها براعة التداعي في الأفكار، لترقي إلي التأمل وانتاج التساؤل الحكيم حول بعد جغرافي وجداني (خريطة الأحلام نموذجاً)
وخيوط القصة تلتقي في نسيجها الكلي، فخيط درامي معبراً عن بطلة القصة في مجتمعها يتوازي معها خيط آخر في النسيج من خلال معادل موضوعي ممثلاً بالسيارة بين السيارات العملاقة علي الطريق
المزج المتناص مع النصوص الشريفة نموذجاً للتعاطي الأدبي الذاتي مع النصوص العاطرة، مثال: تحرير هذا المعني فائق العذوبة من قصة سيدنا موسي عليه السلام، حاجة المراة للحنو الرفيق (حتي يصدر الرعاء)
بالقصة مواضعات اجتماعية عن ثقافة الهنود القديمة المتشرب بها مجتمعنا العربي بقتل المطلقة المبتلاه معنوياً، حيث يحكم عليها مجتمعها القاسي بالقضاء حرقاً إذا فارقت زوجها كأنها ناقصة الكيان الإنساني!
قد تنتهي القصة (ويكفي ما أثارته من إبداع وشعور) عند "حتي لم يكن لها مثلاهما ابداً" فطاقة الحرمان في خاتمة كتلك كفيلة بتبليغ الرسالة كاملة للقارئ، حيث حديث الهرة قد يبدو إضافياً او تفسير للمفسر من قبل
أما العنوان فرغم جودته فقد أري (ورأي القارئ حق له) انه يجب نحت عنواناً آخر يناسب مثل هذه القصة الماتعه.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق