السبت، 9 يناير 2016

الدواء – قصة قصيرة - محمود قنديل - تعليق: خالد جودة

الدواء قصة قصيرة  - محمود قنديل
------------------------------
-
لابد من تناول الجرعات بانتظام .
-
للدواء طعمٌ مرّ ، وغيبوبة رعب .
-
هانت ، بقيت جرعات ثلاث .
الجرعة الأولى بعد المائة 
كان الوحش على أبواب المدينة لايزال يدقها ، وكان الحرَّاس قد بدأت قواهم تخور ...
الجرعة الثانية ...
كانت شوارع المدينة خالية ، والوحش يجأر باسمي ، فلما انطفأت المصابيح مضى يتشمم الطريق إليَّ ...
الجرعة الأخيرة ...
تمكن الوحش من بلوغ المصحة ، حطم أبوابها ، وصعد سلالمها ، ثم ولج عنبري ، جثا أمامي ، وتأملني بحدة ، وراح يجأر ....
اطمئنان ...
دخل الطبيب ليطمئن على حالتي ، فوجدني - فوق فراشي - بقايا ...

تعليق: خالد جوده

تبدأ القصة القصيرة جداً بحوار تمهيدي لأجواء القصة اللاحقة، أي تعبيد الطريق لما يأتي لاحقاً في المتن من رمز مغلف بأجواء أسطورية (جزئية الوحش مثل وحش المدينة في أوديب)، وبطريقة بناء القصة التراثية ذات المسلسل الرقمي (القصة الإطار في ألف ليلة وكليلة ودمنة)، والأسلوب المقطعي (بالعناوين الجانبية، وبتركيب ومضة أخرى معنونة إطمئنان)، ومن حيث الموضوع نجدها تلتزم فكرة القصة الحديثة القائمة علي معاناة الإغتراب، والدالة التي اشتهر بها ( = المدينة الموحشة)، حيث لا أحد رغم الزحام المادي، وحيث العتمة النفسية، بقي (في تفسيري) دالة (الدواء) التي أصبح هو الداء بين التمهيد والختام ليعبر عن قمة المأساة.

قصيدة (توبة) للشاعر خالد الطبلاوي - تعليق: خالد جوده



توبة
خالد الطبلاوى


مَضَيتُ بِها

مُثَقَّبةً مُنقَّبةً

وَأشرِعَتي مُمزَّقَةٌ

وَمَوجُ الحُزنِ يَدعُونِي

إلى تَرنِيمَةِ الغَرَقِ



وَرِيحُ الذَّنبِ عَاوِيةٌ

وَعُمرُ اللَّذَّةِ الحَمْقاءِ ثَانِيةٌ

وَعَينُ التَّوبِ بَاكِيةٌ

وَكمْ أَجثُو مِنَ الفَرَقِ



فَمَنْ لِجَفافِ أَودِيَتِي

ومَن لِنُفُورِ أَورِدَتِي

وَمَن لِسَوادِ أَقبِيَتي

أَنا المَخلُوقُ مِن عَلَقِ؟



بَكَيتُ بُكاءَ طِفلٍ أُمُّهُ هَرَبَتْ

كَصُبحٍ شَمسُهُ غَرَبَتْ

وَطُفتُ على جَناحِ الذُّلِّ في الغَسَقِ

أَجُوبُ الكَونَ بَحَّاثاً عَنِ الفَلَقِ

فقَدْ عَمِيتْ عُيونُ بَصِيرَتِي حِيناً

وَآذَتْها يَدُ الهَزَقِ



وَعِندكَ - يا إلهَ العَفوِ - مَغفِرَةٌ

تَذُوبُ لِوسعِهَا حِلَقِي

يُضِيءُ لِنُورِها نَفَقِي

فكُنْ لي

لَيسَ لِي إلاَّكَ في لَيلٍ

بَطائنُهُ مِن النَّزَقِ.



شعاع من النقد
خالد جوده

العنوان كاشف لأفق القصيدة، يقدم من خلالها الشاعر رؤيته الشعرية لمفهوم التوبة، ومدار القصيدة صورة لسفينة ممزقة الأشرعة، وتأويلها  أنها سفينة النفس، والصورة  تكاملت بين مشهد السفينة ذاته، وما آلت إليه من حال،  وتفسير الدواعي لذلك من رياح الذنب العاوية وأمواج الحزن التي أحدثت بالسفينة ما أحدثت، صورة بصرية أيضا يراها القارئ (وَكمْ أَجثُو مِنَ الفَرَقِ) حيث ينتاب الهلع راكب السفينة حينما تتلاعب بها الأمواج والرياح، ثم تمضي القصيدة في دربها المرسوم بالمناجاة والتي شكلت لحظة التنوير لترنو السفينة إلي شاطئ الأمان بالتوبة، فكأن القصيدة نصف قوس احتدم فيها الحدث المأزوم، ثم حدثت الانفراجه بالثقة بعفو الله تعالي  (وَعِندكَ - يا إلهَ العَفوِ مَغفِرَةٌ / تَذُوبُ لِوسعِهَا حِلَقِي / يُضِيءُ لِنُورِها نَفَقِي)


فانتازيا المحاكاة الساخرة للواقع بين السرد الشعري والتاريخ في قصيدة (معجزة) للشاعر مصطفي الجزار - بقلم خالد جوده


فانتازيا المحاكاة الساخرة للواقع بين السرد الشعري والتاريخ 
في قصيدة (معجزة) للشاعر مصطفي الجزار
 
بقلم: خالد جوده



قصيدة (معجزة) للشاعر مصطفي الجزار 

في القرآن
ربّك قال للناس: "ادعوني"
علشان هوا كريم وبيِدّي
وف رمضان الناس بتصلّي
تملا الجامع في التراويح
وإْمامهم يدعي ويعيّط
واللي وراه بيقولوا: "آمين"
عارفين كانوا بيدعوا بإيه؟
كانوا كل صلاه بيقولوا:
"
يا الله
رجّع لينا صلاح الدين...
يا الله
دا احنا بشوق مستنيّين
يا الله
لو جالنا هنقوم واقفين
يا الله
نمشى وراه ونكون طايعين
يا الله
و نحرّر أرض فلسطين
يا الله
بس ييجيلْنا صلاح الدين
يا الله...
*****
ربك دايماً..
ربّ قلوب
بيحبّ العبد اللي بيطلب
وامّا لقى الملايين بيقولوا
رجّع لينا صلاح الدين
سبحانُه.. حقّق رغبتهم
ولقينا الأرض بتنشقّ...!!!
قُدرة ربّك
مين هيكدّب ويقول: "لأ"؟!
ولقينا فارس من نور
وحصانه بيجري ويْدُور
وف إيده السيف المتعافي
استعجِبنا...!!!
وسألناه: "انت اسمك إيه؟!"
قال بالفُصحى:
"
أنا يا قومِ صلاحُ الدينْ
قد أحياني اللهُ القادرُ
حين دعوتم
أنْ يبعثَني اللهُ إليكم
ها أنا ذا
قد جئتُ إليكم
لكنْ نُبّئتُ بأخبارٍ عنكم سيّئةٍ للغاية
كيف رضيتم أن يُنتهَك الأقصى فيكم؟!
كيف سمحتم للأعداءِ بهذا الأمر؟!
كيف تركتم بيتَ المقدس؟!
كيف قَبِلْتُم عَيْشَ الذلّةِ بينَ الناسْ؟!
إنى مِتُّ وأرضُ القدسِ مُطهّرةٌ من كل خبيث
وتركتُ الأقصى من زمنٍ.. منصوراً.. مرفوعَ الراسْ
فتنازلتم أنتم عنه... للأنجاسْ!!
لكن... لا بأسَ... فقد عُدْتُ
وسنُرجِعُ جيشَ الإسلام
جيشٌ سوف يقودُ العالَم
أنتم.. جُنده..
هيا قوموا...
سوف نحاربُ.. حتى الموتْ
هل مِن أحدٍ يُبدي رأياً فيما قُلت؟"
*****
كل الناس كانت ف ذهول
م اللي بيحصل
واحد فيهم
اتقدّم لصلاح الدين
قال: "اسمحلي
إنت صلاح الدين وانا عارف
لكن آسف...
ما اقدرش أحارب ويّاك
أحسن أنا على وِشّ جواز
عايز اشوفلي يومين ف الدنيا
أبقى عريس..
أفرح واتمتّع و أهِيص
لكن حرب؟!!!
سلامُو عليكم... أنا مش فاضي"
*****
واحد تاني
قال: "اسمحلي يا عَمّ صلاح
إني ما اروحش الحرب معاك
عندي عيال عايز اربّيهُم
وانا غلبان

باقْطَع من جسمي وبادّيهُم
لو رُحت معاك -افرض يعنى-
مين هيأكّلهم مِن بَعدي؟
مين -لو رُحت معاك- يراعيهُم؟
أنا عارف.. ربنا موجود
هوا اللي بيرزُق... مش إحنا
بس انا خايف
والبَرَكه ف باقي الرجاله
هُمّا يسدّوا بدالي هناك
وانا هادعيلكُم كل صلاه"
*****
واحد تالت
قال: "انا تاجِر
عندي المصنع والدكّان
ومشاغِل أشكال والوان
أبقى عبيط لو سِبت مصالحي وْجيت ويّاك
لكن هابقى معاكو بقلبي
*****
واحد رابع...
واحد خامس...
سادس...
سابع...
عاشر...
ألف...
كل الناس قالوا: "آسْفين
رُوح وحدك يا صلاح الدين
أحسن إحنا مش فاضيين
لا لجيشك ولا لفلسطين
إيه يعنى أقصانا سجين؟
ما هو في السجن بَقَالُه سْنين
لو بالحرب هنُنصُر دِين...
يِبقى خلاص ما احناش عايزين
إحنا هنقعد منتظرين
وهندعيلَك بالملايين:
يا الله
إِبْعِد عنا صلاح الدين
يا الله
إحنا بحالنا كده راضيين.. يا الله...
*****
بعد ما قالوا كل كلامهم
بَصّ صلاح الدين بعينيه
مالقاش ولا واحد حواليه
يعمل إيه؟
الأرض انشقّت من تاني
علشان تاخدُه
مارضيش ينزل تحت الأرض
عايز يعمل حاجه ف بالُه
فوق "الأرض"
غَيَّر لِبْسُه
ولِبِس زيّ شباب القُدس
نفْس الشكل ونفْس اللون
كان متغاظ
من كل الناس اللي سابوه
جَمّع غِيظُه.. تحت هْدُومُه
ودخل وسط كلاب الأرض.. وفجَّر نفْسُه...
علشان يفضل
زي ما هوا... صلاح الدين
لكن ساب في القدس رساله
بيقول فيها
إنه حزين
علشان جيشُه ما كانش معاه
"
جيش حِطّين"
و بيطلُب من كل الناس
اللي بيدْعُوا كل صلاه
لو طلبوه تاني ينصرهُم
لما يقولوا: "يا الله..
رجَّع لينا صلاح الدين"
لازم يدعوا كمان و يقولوا:
"
يا الله
عايزين جيشُه يكون ويّاه
علشان إحنا مش فاضيين
مش هَنْسِيب المال والجاه
مش هنسيب الدنيا الحلوه وْنِمشي وراه
يا الله...
مش عايزينُه ييجي لوحْدُه
لازم جِيشُه يكون ويّاه
لازم جِيشُه...
يكون...
ويّاه...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التعليق: خالد جوده:

قصيدة قائمة علي الحكي المحبب للمتلقي، فيها التشويق والمتعة والألم أيضاً حين نعلم انه يوجه إشارة الإدانة إلي التخاذل القابع في النفوس
القصيدة فيها تناص مع النص الشريف (اذهب أنت وربك فقاتلا ....)، وتناص مع التاريخ في مشاهد عدة منها مشهد سيد الشهداء الحسين ومن قبله ابن عقيل حين قدم الكوفة فلم يجد نصيراً له، وتناص خفي مع مقولة (كونوا كأصحاب عمر أكن لكم كعمر)، وغيرها 
قال د. أحمد شلبي علي باب موسوعته في التاريخ الإسلامي (التاريخ شعاع من الماضي ينير الحاضر والمستقبل)، وقيل (التاريخ هو الوثيقة النبوئية بصورة مقلوبة)
وعندما اراد الشاعر استدعاء (صلاح الدين الأيوبي) الفارس لإنقاذ الواقع اختار طريقاً فاتنازيا (الفانتازيا: الخيال الموغل غير المتحقق) ليشرح لنا قول مثل (قول كالعسل وفعل كالأسل) والأسل سنان الرماح، أنها رمزية تعبيرية ساخرة من الواقع بامتياز
فيها أيضاً فكرة تناسخ البطولة بين الأحفاد والأجداد (التوريث العملي) بين صلاح الدين البطل المغوار وبطل فلسطين، إنه يقول لنا فناً لقد خذلتم صلاح الدين المعاصر (الحزين)
بقي أن نشير نحو تنوع الخطاب (في أصوات السرد الشعري) بين الفصحي والعامية في مساهمة في غاية الرقي من الشاعر في هذه القضية التي تعددت واشبكت فيها وجهات النظر بصورة كبيرة
أري أن الأثر الأدبي الذي يبقي وقد لا تذكر منه كلمة وقد تذكر منه الفكرة فقط أو حتى كلمات، ليست كلماته في ذاتها بل روحاً ظلت روحه عالقة بروحك.