الثلاثاء، 5 يناير 2016

عيناه - قصة بقلم فاطمة عمر، تعليق بعنوان إشراقة التنوير استيفاء القصة بقلم خالد جوده


يوميات: 
عيناه
بقلم: فاطمة عمر 
5/1/2016

إلتقت عينىَّ بعينيهِ صدفةً، فجذبنى شعور قوى لم يدعنى ُأُحول عينىَّ عنهُ، لم تكن عينان جميلتان .. لكن أبسط وصفٍ لها أنها عيون طيبه، حائره ...بل تائهه، كانت عيناه محمرتان، وكانتا تحملقا.. ولا تستقران على شىء .. تتجهان يميناً ويساراً ثم تنظران الى الأمام ... وتدور الرأس كلها فى كل إتجاه ممكن ...تعتريهما نظرة ضياع ... تركت فى نفسى أثراً بالغاً.
كنت أرقبهما من مكانى داخل سيارة الأجره التى تنتظر التحرك فورإكتمال عدد الركاب. وكان أمامى مباشرةً على جانب الطريق يقف رجلٌ تحملُ ملامح وجهه الغليظه شعوراً منفراً مقبضاً ..بجلبابه الرمادى القاتم مشمور الكمين ..رافعاً ذيل جلبابه الى جانب وسطه، مبدياً سرواله الكالح، وممسكاً بكلتا يديهِ بعضاً من أمعاء حيوان فرغ تواً من ذبحه وسلخه، ملقياً بجلده جانباً على الارض.. كان يعتصر الامعاء مخلصاً إياها من الفضلات مستخدماً قليل من الماء فى تنظيفها، ثم ألقى بها جانباً فى إناء،  وفرغ للرأس وبعنايه قام بغسله بقليل من الماء مخلصاً إياه من الدم، مغترفاً الماء من الدلو الصغير بكوز من الصفيح الصدىء ... تاركاً السكين الملطخه ملقاه جانباً، إلتقت عيناىَ مرة أخرى بعينيه، كانتا مروعتين تاهت براءتهما فى الفزع، بينما سقطت بعض أشعة الشمس على رأسه وأذنيه فأكسبتهما لوناً أحمر فاتح لعدم إكتساءهما بعد بالشعر، حرك رأسه بشكل شبه مترنح باحثاً عن شىءٍ ما بين ساقى رفيقهُ الخلفيتين، فلم يهتدى لمطلبه، ثم التصق اكثر برفيقهُ الذى يبدو أنه قد تعب من الوقوف، فبركَ على الأرض..فتبعه هو أيضاً وبركَ بجواره ..حاول أن يريح رأسه على رقبة رفيقهُ، علَّهُ يستشعر بعضاً من أمانٍ وحنانٍ مفقودين ... فلم يجد بُغيته.
حاول إراحتها على جسد رفيقهُ ، فلم يجدهِ نفعاً، لَوَىَ رقبته وأراحَ رأسهُ على جانب جسدهُ الضئيل الذى إرتسمت ملامحَ عظامهُ مظهرة بوضوح نحافته الشديده بجوار رفيقه الأصغر منه سناً وحجماً، كان أمامهما بعض العلف، لكنهما لم يأكلا منه شيئاً، يبدو أنهما لم يُفطما بعد، أو تم فطامهما تواً، كانا بلونهما الرمادى الأجرب ذى الشعر الخفيف الذى يكسو جلدهما متسقان تماماً مع أرض الشارع المتربه، والتى تم ردم حفرة كبيرة بطول الشارع تقريباً بشكل ردىء فبدت بالشارع هضاب من التراب بلون العجلين الصغيرين، بينما كان يبدو بوضوح جسد ذبيحه ضئيله ورديةَ اللون معلقة بخطاف معروضةً للماره. فى اليوم التالى ..تفقدت عيناىَ عينيهِ ...فلم أجدهما بين الماعز الصغيره التى تحلقت حول إناء العَلَفْ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعليق: خالد جوده
إشراقة التنوير... استيفاء القصة
هذه قصة قصيرة أستاذة فاطمة، فيها إشراقة التنوير في الخاتمة (إناء العلف) رائعة لأنها تلقي بظلال يتم تأويلها حسب كل قارئ لأن لعلاقة الجزار بالسائمة هنا دلالات متعددة، كما أنها خاتمة مفتوحة تقول أن الأمر سيكون متكرراً مع ذبيحة أخري تحلقت حول إناء العلف مثل هذا الحائر الطيب الذي لقي حتفه، فيها الحدث واللحظة القصصية بالعين الطوافة، واللمحة الإنسانية والقول الذي يلمح ولا يصرح، فيها الوصف والمقابلة والهامش، وإهتراء البنية التحتية والإدارة بالفساد، فيها توظيف لكل كلمة في البناء الكلي،

أنا لا اهتم أبداً إن كان هذا حدث حقيقي أم لا، يوميات ام كتابات معنونة (قصص قصيرة) يهمني القيمة الفنية التي تصل لفؤادي سواء أتي بها القاص من حدث حقيقي أو حدث مخلق أو حدث مركب من خيال وحقيقة معاً أو حدث من خزائن المبدع الذي يفيض علي قرائه بالفن الجميل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق