الأربعاء، 18 نوفمبر 2015

قصة "عنزة" للأديب د. وليد كساب، تعليق: خالد جوده


قصة قصيرة (العَنْزَة)
وليد عبدالماجد كساب - مصر



تعليق: خالد جوده
تطالعنا قصة (عنزة) للأديب د. وليد كساب، بتقنية الراوي العليم المهيمن علي مجتمع قصته، فيقوم بالوصف والايضاح وسوق الحكمة، وتقديم الخلاصات الفكرية، وممهداً للحوار في القصة، وكاشفاً لأغوار شخصياته أمام القارئ من خلال استبطانه لهمسات ذواتهم الداخلية، وجعل صوت أفكارهم مسموعاً، مستخدماً مؤشرات سردية أكثر من مرة (قال صاحب الغنزة في نفسه)، (قال في نفسه جوده)، ... إلي آخره، ووظيفة المؤشر السردي أنه يفتح الباب أمام الشخصية لتفريغ أحاديثها النفسية، وانتقل الأمر لهمس داخلي لشخصيات تسمي (شخصيات هامش) أي شخصيات مهمشة في الحياة، مثال: صبي (جودة) وحديثه النفسي الكاشف لمعاناته الصعبة، بل ونجد "شخصنة" الحيوان، حيث تواسي بغلة (جودة) الصبي المطحون، ثم حضور البغلة في حديث نفسها بسرد ساخر لطيف لم تخلو منه القصة المشوقة وهي تخطو داخل قصر الأمير (كأنها العذراء في خدرها.. يبدو أنها كانت هي الأخرى في شغل بالقصر المشيد!!)، إن الحضور الطاغي للسارد العليم، يقدم فكرة تأريخ الحدث اجتماعياً ووجدانياً،  فالقاص يضعنا مباشرة في أجواء الفترة التاريخية التي ترسمتها القصة، واللغة في القصة حواراً ووصلاً في السرد، تتماهي مع لغة هذه الفترة، بما يحقق آلة زمان سردية ذات سرعات عالية، وتخبر عن جهد القاص وتبحره ودرايته، كما تقدم نموذجاً حول أن فن القصة القصيرة ليس فناً سهلاً، بل يحتاج إلي مطالعة شاقة وبذل كبير، وتمنيت في نفسي أن يكتب القاص بهذا الأسلوب رواية  ساحرة تطيل متعتنا، لكن استعمال بعض المفردات بالقصة يحتاج هامشاً ايضاحياً للقارئ المعاصر. إن الإسلوب وسيلة لقصدية القاص للكشف عن مواضعات فترة انتقالية سائلة مفصلية حاضرة في تاريخ مصر المعاصر لا تغيب عن قارئ لبيب، والشواهد كثيفة بداية من تقديم شخصية الإصلاحي (الأمير عبد الرحمن كتخدا) وجولته في دروب السياسة المقفرة، وبيان حسناته وأخطائه في مرآة زوجته العارفة (صوت الضمير)، ونهاية بكشف طبيعة الشعب (الساكن)، مروراً بالطبع علي تقديم مشهدية الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية السيئة (كان موكب جودة يشق الشوارع والأزقة، لم يعكر صفوه إلا الروائح المنبعثة من أكوام القمامة.. صغارٌ يلعبون ويمرحون.. تتعالى ضحكاتهم من حين لآخر.. ما أسعدهم.. إنهم صغار!! لم يُدركوا ما حولهم من بنات الدهر.. ومجاذيب يتوسدون التراب ويلتحفون السماء، نساء يحملن أطفالهن، يتسولن لقيمات ولو جافة، ومجذومون يفرُّ الناس منهم ويتحاشون رؤيتهم!)، بقي أن نشير إلي أن تشويق القصة ينبع من لغتها وسخريتها وصدقها الفني، حيث يمكن للقارئ ان يقف بيسر علي خاتمة القصة منذ اصطحاب غلام الأمير للغنزة في طريق مغاير داخل القصر، كما نشير إلا أن التناص مع شواهد النصوص الشريفة ليس مجرد تقنية قصصية، بل لازمة لعاطفة دينية تحيا في جوهر القصة، كما أن هناك دقة في استعمال المفردات لتمنح دوال الشخصيات والمعاني بين السطور للمقارنة، مثال الوجه المجهد، والحواجب المثلثة الضخمة، في مقابلة صفاء العيون اللؤلؤية، ثم تأتي نافذة القصة المضيئة وحكمتها الخالصة (مساكين هؤلاء! كُتب عليهم العيش على فتات الكبار، يأتي الغزاة: أصفرهم وأبيضهم وأحمرهم، حتى السُّود.. ليحكموا بلدهم، ويتحكموا في أرزاقهم، ولا حظَّ فيه إلا لمن تنازل عن كرامته، عجيب هذا البلد! كيف يحكم العبيد فيه السادة؟!)، فعلاً مساكين، نسأل الله تعالي ان يكشف كربهم ويبصرهم دربهم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق